وكان ذلك بعد شهرين من عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجّة الوداع وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة حيث شهد النبي صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، فلما رجع أخذه صداع شديد و هو في الطريق، و اتقدت حرارته، واشتد به المرض، ونُقل إلى بيت عائشة. فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات [1] وينفث فلما اشتد [الذي توفي فيه] كنت أقرأ [وفي رواية أنفث] عليه بهن وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها. قال ابن شهاب:"ينفث على يديه ثم يمسح يهما وجهه" [2] . وفي صحيح مسلم قالت:"كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي" [3] .
كان النبي صلى الله عليه وسلم رغم مرضه يخرج ويُصلّي بالناس، وكانت آخر خطبة خطبها يوم خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم) [4]
وقبل الوفاة بأربعة أيام أثقله المرض، فصلّى بالناس صلاة المغرب، و لم يستطع الخروج لصلاة العشاء، قالت عائشة: (فقال أصلى الناس؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال أصلى الناس؟ - ثلاث مرات - قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر: وكان رجلًا رقيقا: يا عمر صلِّ بالناس، قال فقال: عمر أنت أحق بذلك.
(1) المراد بالمعوذات: قل هو الله أحد, وقل أعوذ برب الفلق, وقل أعوذ برب الناس. انظر: الفتح 8/ 131 و 9/ 62.
(2) البخاري برقم 4439, 5016, 5735, 5751, ومسلم برقم 2192 وكان يفعل ذلك صلّى الله عليه وسلّم أيضًا إذا أوى إلى فراشه"فيقرأ بقل هو الله أحد, وبالمعوذتين جميعًا ثم يمسح يهما وجهه وما بلغت من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات"البخاري برقم 5748.
(3) مسلم برقم 2192.
(4) البخاري