إن من العار على بني البشر أن يعقد الولاء والبراء على أساس القوميات والأعراق والأجناس وان تعيد البشرية في هذا القرن عقارب الساعة إلى الوراء لترجع بالإنسان القهقري إلى مفاهيم وتخبطات الجاهلية الأولى، وأن تضمر الشعوب الموصوفة بالتقدم احتقارا لأبناء القوميات الأخرى، ولا تفلح المواثيق النظرية ولا التصريحات اللفظية في أن تذهب هذه الوصمة التي تهبط بإنسانية الإنسان وتهوي به إلى دركات سحيقة من التخلف والانحطاط.
ومن الاعتبارات الجاهلية الارتباط بالأرض المحدودة سياسيا بحدود معينة فيرى أبناء الأرض الواحدة أن لهم مقاما أرفع من غيرهم وإن اشتركوا معهم في اللغة أو الدين. وهذا هو التعصب للوطن ,وهو ما يطلق عليه (الوطنية) مدعين أن حب الوطن من الايمان , والحق أن الوطن محبب للنفس لكن لا يصل هذا الحب للتقديس والتعظيم الذي يؤدي للتعصب وانكارالآخرين ومقتهم نتيجة مواطنهم , لم تكن الوطنية تمثل يوما للمسلمين هاجسا أو تصورا أو حتى شعورا يحرك الواحد منهم تجاه الأشياء والحوادث والأشخاص تحريكا متميزا. بل إن العرب أنفسهم وقبل ظهور الإسلام لم يكن للوطنية مفهوم عندهم ولم تكن تتجاذبهم من العنصريات إلا الرابطة العرقية أو القبلية وما ينتج عنها من التفاخر والتناصر فيما بينهم، أما الوطن والأرض والتراب فلم يكن يمثل لهم إلا السكنى والمال المرتبط بالأرض والأهل والولد، ولا غضاضة لدى الواحد فيهم أن يرحل من أرضه طالبا الرعي والزرع وغير ذلك من بسائط مقومات الحياة عندهم تاركا أرضه بكل سهولة ويسر، ولولا الترحال والتنقل بين الشعوب قاطبة لما وجدت الحضارات والدول القديمة. كما أنه لم يرد في الإسلام لا في نصوص القرآن الكريم ولا في نصوص السنة الشريفة ولا حتى في آثار الصحابة والصالحين ما يدل على مفهوم الوطنية والوطن وبالمناسبة فحديث"حب الوطن من الإيمان"ليس بحديث ولم يرد في كتب الحديث، والفقهاء عندما بحثوا الأرض وارتباط الإنسان بها قالوا عنها الدار والدار ليست الوطن بل هي الأرض بما عليها من بشر وأحكام واستندوا في ذلك لحديث سليمان بن بريدة الذي بين فيه الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام أن من يدخل من الأعراب في الإسلام عليه أن يتحول إلى دار المهاجرين ليكون له ما لهم من الإنصاف وعليه ما عليهم من الإنتصاف، والدار