فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 163

أضواء على خطبة حجة الوداع[1]

انبعث الصدى من المدينة المنورة حيث خرج الحبيب الأريب لبدر بجنوده، وزحف إلى أحد في حشوده، ومن المدينة بعث للملوك رسائله، وعلم الناس فضائله. فالمدينة المنورة هي بيت ضيافته، ودار خلافته، في كل مكان منها له ذكريات، وفي كل موضع له علامات.

لقد علت الأصوات أن افسحوا وتباعدوا عن الطرقات، ألا ترون ذلكم الركب المبارك، في يوم السبت وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة المباركة. تحرك هذا الجمع المبارك بعد الظهر حتى بلغ ذي الحليفة فاغتسل النبي (صلى الله عليه وسلم) وادهن ولبس إزاره ورداءه، وقلد بدنه، ثم أهل بالحج والعمرة وقرن بينهما، وسار وهو يلبي (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ..

نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصده الحج لهذا العام، فاجتمع حوله مائة وأربعة وأربعون ألفًا من الناس في مشهد عظيم، فيه معان العزة والتمكين، ألقى الرعب والفزع في قلوب أعداء الدعوة ومحاربيها، وكان غصة في حلوق الكفرة والملحدين.

قبل ثلاثٍ وعشرين سنة من ذلكم الوقت كان فردًا وحيدًا، يعرض الإسلام على الناس فيردوه، ويدعوهم فيكذبوه، في ذلكم الحين كان المؤمن لا يأمن على نفسه أن يصلي في بيت الله وحرم الله.

ها هم اليوم مائة وأربعة وأربعون ألفًا يلتفون حول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم في مشهدٍ يوحي بأكمل معان النصر والظفر، ويجسد صورة رائعة، تحكي بأن الزمن وإن طال، فإن الغلبة

(1) وتسمى حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام .. وحجة الوداع وسُمِّيَت حَجةُ الوداع؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ودَّعَ الناسَ بعد أداءِ المناسك في هذه الحجة، كما روى البخاري رحمه الله عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: (وقفَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ النحرِ بينَ الجمراتِ في الحجة التي حجَّ بها، وقال: هذا يومُ الحجِّ الأكبر، فطفق النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اشهَدْ! وودَّعَ الناسُ؛ فقال: هذه حجةُ الوداع) . (صحيح البخاري 2/ 620، حديث 1655. كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى.) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت