أهل السماء و الأرض اشتركوا في دم مؤمنٍ لأكبّهم الله في النار) [1] . وقال صلى الله عليه وسلم: (سِبابُ المسلم فُسوق وقتاله كفر) [2] ، وقال الحَسَن البصري: إنّ عليًّا رضي الله عنه بعث إلى محمد بن مَسلمَة، فجيء به فقال: ما خلَّفك عن هذا الأمر؟ يعني القتال بينه وبين خصُومه رضي الله عنهم أجمعين، قال: دفَع إليَّ ابنُ عمك ـ يعني النبي عليه الصلاة والسلام ـ سيفًا فقال: (قاتِل به ما قُوتل العدوّ، فإذا رأيتَ الناس يقتُل بعضُهم بعضًا فاعمَد به إلى صَخْرة فاضربه بها، ثم الزَم بيتَك حتى تأتيكَ منيةٌ قاضية أو يدٌ خاطئة) ، فقال عليّ رضي الله عنه: خلُّوا عنه [3] .
ولقد جاء البيان في القرآن الكريم بأن المؤمنين جميعا إخوة على مختلف أجناسهم ولغاتهم كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [4] فالأخوة الإيمانية هي التي تربط بين المؤمنين جميعا وهي أقوى من رابطة الدم واللون واللغة وغير ذلك من الروابط الجاهلية , لأن أُخوة الإيمان منبثقة من رابطة العقيدة الدينية وهذه العقيدة أشد رسوخا وأعظم ثباتا في النفس من الروابط الجاهلية الواهية حيث إن هذه العقيدة تشد معتنقيها إلى تصور حياة أخرى أكمل من هذه الحياة الدنيا فيشعرون بمسؤولية الحساب ويرجون الثواب ويخافون من العذاب.
والله سبحانه تعالى لايُضيِّق دائرة هذه الإخوة الإيمانية فلا يقصرها على كاملي
(1) رواه الترمذي كتاب الديات، باب الحكم في الدماء (4/ 17) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (5247)
(2) رواه البخاري كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (1/ 21) . ومسلم كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق (1/ 81) .
(3) مسند أحمد (4/ 225) ، والطبراني (19/ 235) ، قال ابن حجر في الإصابة (6/ 34) :"الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة، فهو لم يشهد القصة. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (3/ 444) ، وابن أبي شيبة (15/ 22) من طريق أخرى عن الحسن عن محمد بن مسلمة بالمرفوع وليس فيه قصة علي رضي الله عنه، وروى أيضا المرفوعَ غير الحسن عن محمد بن مسلمة، فهو بمجموع طرقه ثابت إن شاء الله، قال الحاكم في المستدرك (3/ 127) :"فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي رضي الله عنه وقتال من قاتله"."
(4) الحجرات / 10.