وهذا التأكيد الملزم قد كُرّر عن قصد، والتكرار يصادف موضعَه الطبيعي إذا حل في مقام التقرير والإلزام، لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد التأكيد والتقرير والهدوء البصير، واليقين الثابت. والاطمئنان للحق، كل ذلك واضح في حديث الخطيب المخلص والرسول الحريص على اهتداء قومه الرحيم بأمته عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وفي التعبير يلحظ استخدام (قد) في قوله (وقد بلغت) مفيدة التحقيق هو لون آخر من ألوان التوكيد التي تحفل بها كظاهرة معنوية موظفة للتبليغ والتثبيت ولفت الأنظار نحو الأحكام النبوية.
صيغ جديرة بالوقوف عندها للتعرف على دلالتها الخاصة وهي قوله: (( وإنكم ستلقون ربكم ) )ذلك أن من أركان العقيدة أن يلقى العباد ربهم ليحاسبهم ويسألهم عن أعمالهم.
والفعل في الجملة مصدر بالسين ,والسين في اللغة تفيد الاستقبال عند النحاة بالإجماع، وكثير منهم يذهب إلى أن السين تفيد التوكيد (يعني الاستقبال مع التوكيد) السين وسوف يفيدان التوكيد والاختلاف بينهما هو أيهما ابعد زمنا لكن الاثنين يفيدان الاستقبال مع التوكيد وقد بدأ بهذا الرأي الزمخشري، فالسين إذن هي للاستقبال المؤكد. وهذه السين قد حققت إحساس السامع بقرب هذا اللقاء، وقد عدل البيان النبوي عن (( سوف ) )وهو أيضًا حرف استقبال ولكنه يدل على تحقق الفعل بزمن أبعد، وربما كان في استخدامه في ظاهر الحال أكثر دلالة على السين، إلا أن (( السين ) )فيها من دلالة القرب ما يشعر أن الأمر واقع لا محالة، ليكون ذلك الإحساس باعثًا على التعجيل بالإلتزام والتمثل والتطبيق.
وحين تحقق السين هذا الإحساس دون سوف الدالة على التراخي الزمني فإن البلاغة النبوية قد حققت مبدأ المطابقة لمقتضى الحال بدقة متناهية متساوقة مع القدرة المتميزة لأعلى ذروة البلاغة البشرية أن تبلغها أو أن تحققها.
إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والإهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته