ولعل في هذه الصيغة (قد بلغت) من الثقة والاعتداد بتجاوب المسلمين ما لم يجد معه حاجة إلى إلتماس الأساليب الإنشائية التي تساق غالبًا في مواضع بها حاجة إلى استثارة الهمم وقرع النفوس التي قد تتلبس ببعض الغفلة أو التردد.
(( وقد بلغت ) ): صيغة الحسم والقطع، بل صيغة الاشعار بأن هذا هو البلاغ النهائي الذي لا بلاغ من بعده.
ثم أعقب ذلك بصيغة إنشائية: اللهم هل بلغت ... والصيغة المعتمدة هي الاستفهام، ليستوثق من يقظة المسلمين وتجاوبهم فيسمع منهم الجواب الذي يبعث في نفسه الطمأنينة على أن ما زرعه من كلمات إنما هي هي الشجرة التي ضربت بجذورها في الأعماق، وسمقت إلى الأعالي باسقة ظليلة آنية ثمرًا طيبًا.
وهنا تستوقفنا الصيغة الاستفهامية لنسأل أنفسنا: هل جاء الاستفهام في هذا الموضع حقيقة أم مجازًا؟ أود أن أعرض للأمر من جانبين: كل جانب يجدد مسار هذا الاستفهام.
الجانب الأول: يتصل بالرسول (صلى الله عليه وسلم) مبلغًا للأمانة، فقد عدل عن الصيغة الإخبارية على النحو الذي ورد في أول الخطبة (( وقد بلغت ) )لكي يأتي التقرير أشد في النفس وأوقع، وادعى إلى الطمأنينة. أي أن الاستفهام مجازي خرج إلى التقرير والتثبيت.
أما الجانب الثاني: فهو مما يتصل بجمهور سامعيه حين حملوا الاستفهام على معناه الحقيقي، فأجابوا: اللهم نعم.
ونحن نعلم أن الاستفهام المجازي هو ما لا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس من قبيل طلب حصول الفهم - كما يقول البلاغيون )) [1] http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?CategoryID=78&ArticleID=392 - _ftn 26#_ftn 26 .
وبذلك حققت البلاغة النبوية نمطًا فريدًا من التعبير راعى فيه حالة المتكلم وموقفه مبدئيًا ونفسيًا، وراعى في الوقت ذاته المخاطبين وما هم عليه من موقف إزاء ما يلقى عليهم، فوجدوا أنفسهم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) : يستفهم بقوله (( هل بلغت ) )ليجيء الجواب في إثره: اللهم نعم ... وهو جانب يعزز الحالة النفسية للرسول المبلغ حيث استوثق أنه أدى الأمانة كاملة غير منقوصة.
وقد أكَّد كل نصّ بقوله: ألا هل بلّغْت، اللهم اشهد، وهو تأكيد يهدف إلى الإقناع الملزم، ويقفل باب اللجاج!.
(1) التلخيص في علوم البلاغة - الهامش: ص 153.