فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 163

وإذا كان الأمر كذلك فإن من الواضح أن يكون حذف أداة النداء دالًا على قرب المنادي للمنادى، والالتصاق به والتحبب إليه:

وليس يسعنا في هذا الموضع أن نحمل حذف الأداة على خلاف مقتضى الظاهر، لأن ذلك يدعونا إلى القول إن المنادى ممن سها أو غفل، وما كان له أن يكون على ذلك الحال، إلا أن حذف الأداة هنا جاء على الحقيقة والحال وليس عدولًا عنها تنزيهًا من الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين عن السهر والغفلة.

اسمعوا, فعل أمر، وللأمر وجهتان في التعبير البلاغي: حقيقي [1] ومجازي [2] ، وللمجازي أغراض متعددة.

ينبغي أن نحدد بادئ ذي بدء مدلول الأمر الحقيقي والمجازي لنتبين في أي المسارات تتجه هذه الصيغة.

الأمر الحقيقي: (( صيغته موضوعة لطلب الفعل استعلاءًا، لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك وتوقف ما سواه على القرينة ) ) [3] http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?CategoryID=78&ArticleID=392 - _ftn 10#_ftn 10 .

أما صيغة الأمر المجازي - فكما قال القزويني - قد تستعمل في غير طلب الفعل بحسب مناسبة المقام، كالإباحة ... والتهديد ... والتعجيز ... والتسخير )) [4] http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?CategoryID=78&ArticleID=392 - _ftn 11#_ftn 11 .

وإني أرجح أن الأمر في هذا الموضع مجازي، وذلك بدلالة الاستهلال الرقيق، فلا يسوغ أن يكون النداء يحمل في تضاعيفه من معاني التودد والتلطف ثم يعتبه مباشرة بما يدل على الأمر خشية أن يقع ذلك من نفوس سامعيه موقعًا لا يرتضيه، ولما يحصل من التفاوت بين الرقة والتلطلف وبين الشدة التي يحملها الأمر الحقيقي مدلولًا من مدلولاته.

أقول ذلك من غير أن يتبادر إلى الذهن أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا قبل له بأن يأمر قومه بما يشاء فيطاع، هذا أمر لا مشاحة فيه بقدر ما نود أن نرسم من خلال هذا المقطع صورة التناغم البياني بين أجزاء المقطع، وتلك خصوصية من خصوصيات البلاغة النبوية الكريمة.

(1) الحقيقة: استعمال اللفظ فيما وضع له، كالأسد إذا أريد به الحيوان المفترس.

(2) المجاز: استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

(3) مواهب الفتاح (من شروح التلخيص) 334.

(4) الإيضاح في علوم البلاغة - 143 - ما سواه أي الأمر المجازي. ... .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت