وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم ذلك, فعن سليمان بن مهران: بينما ابن مسعود رضي الله عنه يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرّ أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه:"على ميراث محمد صلّى الله عليه وسلّم يقسّمونه" [1] .
فميراث النبي صلّى الله عليه وسلّم هو الكتاب والسنة والعلم والاهتداء بهديه صلّى الله عليه وسلّم؛ ولهذا توفي صلّى الله عليه وسلّم ولم يترك درهمًا, ولا دينارًا, ولا عبدًا, ولا أمة, ولا بعيرًا, ولا شاة, ولا شيئًا, إلا بغلته وأرضًا جعلها صدقة لابن السبيل.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"توفي النبي صلّى الله عليه وسلّم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير" [2] . وهذا يبين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتقلل من الدنيا, ويستغني عن الناس؛ ولهذا لم يسأل الصحابة أموالهم أو يقترض منهم؛ لأن الصحابة لا يقبلون رهنه وربما لا يقبضوا منه الثمن, فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّق على أحد من أصحابه صلّى الله عليه وسلّم [3] . وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يصيبه الجوع وهو حي؛ ولهذا يمر ويمضي الشهر والشهران وما أوقدت في أبيات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نار, قال عروة لعائشة رضي الله عن الجميع: ما كان يقيتكم؟ قالت:"الأسودان: التمر والماء ..." [4] . ومع هذا كان يقول صلّى الله عليه وسلّم:"مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها" [5] .
(1) أخرجه الخطيب البغدادي بسنده في شرف أصحاب الحديث ص 45.
(2) البخاري برقم 2068 وكرره بفوائده في عشرة مواضع , ومسلم برقم 1603 , وانظر: جميعها في مختصر البخاري للألباني 2/ 21.
(3) انظر: شرح النووي 11/ 43.
(4) انظر: البخاري مع الفتح 11/ 283.
(5) أحمد 6/ 154 وقال ابن كثير في البداية والنهاية 5/ 284, وإسناده جيد, وأخرجه الترمذي وغيره, وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 439, وصحيح الترمذي 2/ 280.