وقد كان العرب يحيون للعصبية القبلية و يموتون لها في الحق و الباطل. و ظل العرب كذلك حتى جاء الإسلام بشموليته، فجعل النظام الاجتماعي قائمًا على أساس التعاون على البر و التقوى، لا تعاونًا على الإثم والعدوان، لذلك جمع الجميع تحت راية الإسلام يحيون في ظلها، و يموتون من أجلها. وعليه فقد شدد النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن العصبية لما يترتب عليها من نتائج سيئة في إضعاف الأخوة الإسلامية أو قطعها , فمما جاء في ذلك إعلانه البراءة من صاحبها كما في حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال:"ليس منا من دعا إلى عصبية , وليس منا من قاتل عصبية وليس منا من مات على عصبية" [1] .
وذلك أن من سنته عليه الصلاة والسلام ومنهجه الدعوة إلى الإسلام , والقتال من أجله, والموت في سبيله , فمن خالف ذلك فقد ترك السنة في هذا الأمر , ولذلك حكم عليه الصلاة والسلام على من قُتل في دعوة عصبية بأنه قد مات في سبيل الجاهلية حيث يقول من حديث جندب البجلي رضي الله عنه"من قُتل تحت راية عمِّيَّة يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتِلةٌ جاهلية" [2] .وقوله"تحت راية عمية"قال ابن الأثير: قيل هو فعّيله من العماء: الضلالة , كالقتال في العصبية والأهواء , وحكى بعضهم فيها ضم العين [3] .
وإن مما يخلخل بناء الأخوة الإسلامية ويضعفه قيام العصبية الجاهلية وانتشارها بين أبناء الأمة الواحدة , فهي من أقوى العوامل في تحطيم الوحدة والإخاء الإسلامي , وقد شاهدنا في العرض التاريخي لحياة الأمم قبل الإسلام كيف عملتْ العصبية على إشعال نار الفتن والحروب وتمزيق الأمة إلى دول صغيرة بل إلى قبائل كل قبيلة تحكم نفسها وتحمل العداء لغيرها.
ثم شاهدنا في العرض التاريخي لتطبيق رابطة الإخاء الإسلامي كيف استطاع النبي صلَّى الله عليه و سلَّم بالإسلام أن يعقد هذه الرابطة وأن يقضي على تلك القوى المتناحرة بتوحيد العالم كله تحت راية واحدة , وذلك بقضائه على العصبية الجاهلية بمختلف أشكالها , لأنها هي ألدُّ أعداء رابطة الإخاء الإسلامي , ولذلك حذر منها النبي
(1) أخرجه الإمام أبو داود بإسناد حسن. أنظر: سنن أبي داود كتاب الأدب , باب العصبية رقم 5121.
(2) صحيح مسلم , كتاب الإمارة رقم 1850 باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين , سنن النسائي , كتاب تحريم الدم , باب التغليظ فيمن قتل تحت راية عمية 7/ 123.
(3) النهاية 3/ 304.