إنها الأمانة أيها الأمناء، إنها الأمانة التي ناءت بحملها السموات والأرض والجبال، ما أعظم الشهادة في سبيل الله تعالى، يفدي الشهيد دينه ووطنه بروحه غير أنه يحاسب على أمانته، فعن روى ابن كثير بسنده عن عبد الله بن مسعود _ قال: (إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قُتل في سبيل الله تعالى فيقال: أد أمانتك، فيقول: وأنّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي على أثرها أبد البد) .
إنها الأمانة التي كان يعلي بها شأن حذيفة فيقول: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) إنه مؤشر خطير ودقيق على ضياع أساس الصلاح في النفوس، فماذا يبقى للناس إذا فقدوا الأمانة بينهم، فخانوا الله في دينهم، وخانوه في أعمالهم، وخانوه في حوائج الناس الذين استأمنوهم على قضائها، لقد أصبح فئام من مجتمعنا بعد أن استرعاهم الله على بعض أمورنا يتفننون في التهرب من أداء أمانتهم الملقاة على عواتقهم، ويتباهون بأخذ رواتبهم من غير تعب ولا نصب، بل ويجاهرون بتحصيل الأموال الطائلة في تجارتهم بالغش والتحايل. إنه حال مؤسف حقًا حينما يصير الرجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع لمن ذهبت خشيته لله، وضعف إيمانه، وخالط أهل الخيانة، يدفعونه نحوها، ويحثونه عليها، فقد يتردد مرارًا في إضاعتها، غير أنه بعد مخالطتهم يستمرأ الخيانة لله ولرسوله ولنفسه ولأمته، حتى يصبح داعية إليها، ينشر الخور بين الناس، فإذا كثر هذا الصنف من الخائنين فلننتظر الساعة، إن المسؤولية العظمى ـ كما بين النبي 'ـ تقع في إسناد الأمر إلى غير أهله، لأن في ذلك تضييعًا لحقوق الناس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم، فالواجب التحري فيمن يولى على حوائج المسلمين، لتوضع بين يدي من يخاف الله فيهم، ويرعى ذممهم، فالناس تبع لمن يتولى أمرهم، وإن الله سائل كل راع عما استرعاه.