لقد كانت العصبيات قبل البعثة عميقة الجذور قوية البنيان، فاستطاع رسول الله أن يجتث هذا الداء العضال بكل صوره وأشكاله من أرض كانت تحيي ذكره وتهتف بحمده، وتتفاخر على أساسه باعتبار ذلك كله من بقايا الجاهلية التي أعلن نبينا اماتتها في هذا اللقاء الكبير فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى لا تفاضل بنسب ولا تمايز بلون وما التراعات العنصرية والنعرات الوطنية إلا ضرب من الإفك والدجل، وبهذا تتلاشى جميع الفوارق والموازين الجاهلية الجوفاء، فليست العبرة فيا لتقويم بحمرة لون الإنسان أو سواده، ولا بنسبه أو ماله أو منصبه الدنيوي لأن هذا كله مما يحبوه الله الإنسان، فيتلقاه غير مختار في قبوله، عن طريق العبودية والسنة الكونية لكن هناك ميزان واحدا للتقويم (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) [1] ثم نكس بعد ذلك فئام من بني جلدتنا على رؤوسهم وارتدوا على أدبارهم لإحياء العصبيات الجاهلية وطفقوا يهتفون بها، ويتفاخرون على أساسها وكأنما يعضون عليها بالنواجد ورسول الله يقول (دعوها فانها منتنة) [2]
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء(كبرهاوفخرها) فالناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون (أحقر) على الله من الجعلان (حيوان الخنفسا ء) التي تدفع بأنفها النتن [3] .فهل يعتبر دعاة القومية وأضرابهم هذا التحذير النبوي ويدركون أنه لا قيمة للإنسان إلا بالإسلام، وأنه إذا تجرد من إسلامه فقد تجرد من الإنسانية والكرامة؟
ومن الواقع الرديء في عصرنا أن تبقى بقية من هذه اللوثة، وأن تصطبغ بصبغتها كثير من المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجتمع الدولي وأن يتولى كبرها بعض من يعدون في الطليعة من أقوامهم ويحسبون ضمن نخبهم المثقفة, وأبشع من ذلك أن تصل إلى صناع القرار وأن تدار عجلة الحياة السياسية والاقتصادية وسائر الشئون الدولية من خلالها.
(1) الحجرات 13.
(2) رواه مسلم , باب نصرة الأخ ظالما أو مظلوما (6533) .
(3) صحيح سنن الترمذي, كتاب تفسير القرآن, باب سورة الحجرات, حديث (3270) سنن أبي داود, كتاب الادب , باب في التفاخر في الاحساب حديث (5116)