فالغاية أن نقف عن مقاطع من هذا النصّ النبوي وهو (( خطبة الوداع ) )متأملين دلالالتها البلاغية للكشف عن جمالية توظيف الفن البلاغي الذي يرد في الحديث النبوي بعيدًا عن معاناة للصنعة والاقحام أو ابتغاء الحلية اللفظية التي لا غناء فيها.
ومما حملني على هذه المحاولة إني لا أجد كبير عناية بالنصوص واحتفال بتحليل صيغها وتراكيبها، وبيان المواقع الدقيقة للفنون والأساليب البلاغية متميزة عن وجودها في كلام سائر الناس، كي يقف القراء على لون من ألوان الدراسة التي هي في الوقت ذاته موازنة ضمنية لتوظيف فنون البلاغة بقدرات تعلو حتى تبلغ حد الإعجاز، وإسفاف ينبئ عن تمثل شكلي ورصف لفظي وخواه فكري ... فالإيجاز في البلاغة القرآنية والنبوية غيره في موضع آخر، وكذلك الاطناب، فإن دلالالته المعنوية والفنية غير ما توحي به هذه الظاهرة في موطن آخر قد يكون به حاجة إلى الاطناب أو لا يكون، وهو - في جميع الأحوال - يكشف عن خلل مرئي أو محسوس به هنا وهناك في مواضع شتى من النصّ.
والدراسات التحليلية للبيان النبوي قليلة غير ما كتبه الشريف الرضي في (( المجازات النبوية - إذ بنى منهجه على أن يأتي (( بأحاديث أو بأجزاء منه، بحسب ما وقع له في إطلاعه على مراجعه، ومنهجه أن يذكر النص، ويعقبه بالإشارة إلى اللون البياني، ويذكر ما يستدعي الذكر من المناسبة التي ورد فيها شارحًا موجهًا في إيجاز، مبينًا الوجه أو الوجوه التي يخرج عليها المعنى وكثيرًا ما يجعل سر التعبير وأثره تعريفًا بالقيمة الجمالية التي تلزمه ) ) [1] ... .
وكذلك الزمخشري في كتابه (( الفائق في غريب الحديث ) )حيث نعثر في غضونه لمحات وإشارات إلى جمال البلاغة النبوية ضمن مباحث في اللغة والنحو والإعراب.
أما كتاب (( إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ) )لمصطفى صادق الرافعي، فقد كان - ولا يزال - من أفضل الدراسات النظرية المستوعبة لخصائص الإعجاز القرآني والبلاغة النبوية، إلا أنه لم يلتمس لنفسه سبيل التحليل لنصوص من الحديث الشريف.
أما الكتاب الذي وقفت عليه مفيدًا في هذا الباب فهو كتاب استاذنا القدير الدكتور عز الدين علي السيد , المسمى: (( الحديث النبوي من الوجهة البلاغية ) )، إذ جنح فيه إلى تحليل أحاديث شريفة لبيان مواضع الدقة والفطرة في صوغ الأفكار وجلاء المعاني.
(1) الحديث النبوي من الوجهة البلاغية 45. ... .