فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 163

وأنصتت الدنيا لتسمع قوله , أنصتت المهاجرين والانصار, أنصت أكثر من مائة ألف حاج وحاجة, و أنصت الحجر و القفر و المدر والوبر إلى الكلمة المودعة التي ينطق بها فم رسول الله عليه الصلاة و السلام.

وأصغت لها الدنيا بأسرها بلسان حالها ومقالها - لتسمع كلام النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوضح مبادئ الرحمة والإنسانية ويرسي لها دعائم السلم والسلام ويقيم فيها أوامر المحبة والأخوة وفرش بأرضها روح التراحم والتعاون وكأنه يعلم أنه سوف يأتي من بعده أقوام يتركوا هذه المبادئ والقيم .. [1]

أنصت الجميع بعد أن أنست وسعدت الدنيا به ثلاثة و ستين عاما ً , بعد أن أرشد البشرية إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة، وقادها إلى النور وكانت في دياجير الزور قائمة.

نعم , لقد اعتنَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِالجانبِ الإعلامي في مطلعِ هذه الخطبة وحرصَ على حَثِّ الناسِ على الإنصاتِ وحُسنِ الاستماعِ إليه، فأمرَ جابرًا رضي الله عنه باستِنصاتِ الناسِ، كما روى البخاري رحمه الله في كتاب (العلم) ، باب (الإنصات للعلماء) عن جرير رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له في حجةِ الوداعِ: استَنْصِتَ الناسَ! فقال: لا ترجِعُوا بعدي كُفارًا يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض). [2]

وها هو يلمح بالرحيل بعد أن قام بأمر ربه و غرس الدنيا بغراس الإيمان وبعد أن أقام الله به الميزان، وأنزل عليه القرآن، وفرق به الكفر والبهتان، وحطمت به الأوثان والصلبان وها هو يلخص المبادئ التي جاء بها و جاهد في سبيلها في كلما ت جامعة و بنود معدودة يلقي بها إلى سمع العالم , ليقول المؤمنون سمعنا وأطعنا يا رسول الله.

(1) أن الكاتب البريطاني (هربرت جورج) قال عنها:"حجَّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم حجةَ الوداعِ من المدينة إلى مكة قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شَعبِه موعِظةً عظيمة؛ إنَّ أولَ فقرةٍ فيها تَجْرِفُ أمامها كلَّ ما بين المسلمين من نَهبٍ وسَلبٍ ومن ثاراتِ ودماء، وتجعلُ الفقرةُ الأخيرة منها الزنجيَّ المؤمنَ عِدلًا للخليفة. إنها أسَّسَت في العالَمِ تقاليدَ عظيمةً للتعامُلِ العادل الكريم، وإنها لتنفخُ في الناسِ رُوحَ الكرمِ والسماحة، كما أنها إنسانيةُ السِّمةِ مُمكِنةُ التنفيذِ؛ فإنها خَلقَت جماعةً إنسانيةً يُقَلِّلُ ما فيها مما يَغمُرُ الدنيا من قَسوةٍ وظُلمٍ اجتماعيٍّ عما في أيِّ جماعة أخرى سبقَتها" (معالم تاريخ الإنسانية لولز 3/ 640 - 641.) .

(2) صحيح البخاري 1/ 56، حديث 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت