ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قَالوا: أفلا نقاتلهم؟ قَالَ: «لا ما صلّوا» [1] . وفي حديث عوف بن مالك [2] الذي رواه مسلم: «قيل يا رسول الله: «أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقَالَ: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» [3] . وفي حديث عبادة بن الصامت في البيعة: «وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» [4]
«فهذا كله نص في النهي عن الخروج على الحاكم، والنهي عن مقاتلته والنهي عن منازعته في ولايته إلى جانب تلك الأحاديث التي تدل على وجوب طاعته إلى جانب تلك الأحاديث التي تدل على وجوب طاعته مهما كان جائرًا ومرتكبًا للمنكرات وكلها تحثّ على طاعة الحاكم طاعة مطلقة. وإذا وردت آيات وأحاديث عامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالته باليد، فإن هذه الأحاديث تخصصها ويستثنى منها الحاكم، لذلك كانت طاعة المسلمين للحاكم مطلقة غير مقيدة بقيد إلا ما استثني» [5] .
وقد استثني من وجوب الطاعة للحاكم شيء واحد، وهو الأمر بالمعصية، فإذا أمر الحاكم بمعصية فلا طاعة له فيها، لأن ذلك قد جاء استثناؤه بالنّص، فعن نافع ابن عمر عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [6] . «والمراد هنا أن يأمرك أن تفعل
(1) رواه مسلم (3/ 1481) الإمارة: باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشَّرْع. والتِّرْمِذِي (2266) الفتن، باب (78) وأبو داود (4760) السنة: باب قتل الخوارج، وأحمد (6/ 295) .
(2) هو عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني، صحابي من الشجعان أول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح نزل حمص وسكن دمشق وتوفي سنة 73 للهجرة وله 67 حديثًا. انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 487) والإصابة (7/ 179) والأعلام (5/ 96) .
(3) رواه مسلم (3/ 1481) كتاب الإمارة: باب خيار الأئمة وشرارهم والدَّارِمِيّ (2/ 324) في السير: باب الطاعة ولزوم الجماعة وأحمد (6/ 24 و 28) وابن أبي عاصم (1017) والبَيْهَقِيّ (8/ 158) .
(4) رواه البُخَارِيّ (13/ 167) (الفتح) كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم (1709) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.
(5) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: نظام الحكم في الإسلام، ص (239) .
(6) رواه البُخَارِيّ رقم (7144) (13/ 109) (الفتح) كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ومسلم (3/ 1469) رقم (1839) كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية والترمذي (1707) كتاب الجهاد باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.