الفتنة بينهم، فنسوا ما اعتادوا عليه من الألفة والمحبة، فقام شاب من الخزرج فسل سيفه، وقال: يا للطيمة يا للطيمة. وقام أوسي. فتواعدوا في الحرة، فخرجت القبيلتان، والموت يقطر من سيوفهم؛ لأن القبائل يوم تنسى لا إله إلا الله، ويوم تنسى رسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، يوم تنسى الحب الذي أنزله الله في كتابه، ويوم تنسى الجنة، والنار، والصراط، والميزان، تصبح كأنها قطيع من البهائم في الغابة. فأخذوا السيوف، وصفوا الصفوف، وأرادوا أن يقتتلوا، فسمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) الخبر، فخرج من بيته، وهو يقول: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) .يقول أهل العلم: خرج بلا حذاء، يجر إزاره، فوصل بين الصفين، والسيوف قد سلت، والموت الأحمر يتقاطر من رؤوسها. فوقف بين الصفين، وقال: (يا أيها الناس أما كنتم ضلالًا فهداكم الله بي؟ أما كنتم متفرقين فجمعكم الله بي؟ أما كنتم متحاربين فآخى الله بينكم بي؟) .قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: (ألست فيكم) .قالوا: بلى. قال: (أما نزل الوحي عليّ وأنا بين أظهركم) . قالوا: بلى. قال: (فما هذا؟) .فوضعوا السيوف على التراب، وقالوا نستغفر الله، وأخذوا يتباكون ويتعانقون. فأنزل الله أو الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [1] أي: كيف تقتتلون؟ كيف تتباغضون؟ كيف تتناحرون؟ كيف تتقاطعون؟ كيف تسري فيكم الفتنة؟(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) [2] أليس فيكم القرآن؟ أليست فيكم الرسالة الخالدة؟ (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [3] .والاعتصام بالله، هو أن تتوجه إلى الكتاب والسنة، وأن تخلص قلبك لله، وأن تطهر قلبك، وعينك، وسمعك، ويدك، ورجلك لتكون عبدًا لله.
كان عمر يبكي في ظلام الليل، وهو ساجد في البيت، ويقول: اللهم اجعلني عبدًا لك وحدك. قال أهل العلم: أي: عبدًا لله لا عبدًا لغيره، لأن بعض الناس عبد لله وعبد لوظيفته، وعبد لمنصبه، وعبد لماله، وعبد للناس، ولكن المؤمن عبد لله وحده.
(1) آل عمران: 100 - 101
(2) آل عمران: 101
(3) آل عمران:101