وبعده مباشرة ألف أحمد بن عبد ربه القرطبي (246 - 328 هـ/ 860 - 940م) "كتاب العقد الفريد"، وخصص فيه بابا بعنوان"فرش كتاب اللؤلؤة في السلطان". وبواسطة ما اختار من أمثال وشعر ونثر وحكمة مقتبسة من تراث الأمم السالفة على غرار نهج ابن قتيبة، بيّن حاجة العمران إلى السلطان، وحاجة السلطان إلى النصيحة ولزوم الطاعة، وآداب خدمة السلطان ومصاحبته، وكيفية اختيار السلطان أهل عمله، وما يلزمه لحسن السياسة وإقامة المملكة، وصفات الإمام العادل من هيبة وتواضع وحسن سيرة، ورفق بالرعية، وحزم وعزم ومشورة.
لقد أسفر عهد بني أمية وصدر عهد بني العباس، في ساحة الفكر السياسي عن أربع نتائج:
أولاها: تكريس مفاهيم الاستبداد المتمرد على تعاليم الإسلام، ومبادئ الحرية والكرامة والمساواة والعدل.
وثانيتها: الاتجاه إلى الثقافة الأجنبية والاستقاء منها، واتخاذها مرجعا أساسيا، بدون ترو أو تمييز.
ثالثتها: بواكير من كتابات سياسية غير واضحة المعالم، متأثرة بالتراث التاريخي القومي والوافد، مبثوثة في كتب الأدب والأخبار.
رابعتها: التمهيد لظهور التصنيف السياسي الصرف، في المجالين الفلسفي والفقهي.