أو ملتقيا به في بعض جزئياته أو كلياته؛ إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلا صادقا. ذلك لأن بوصلة التوجه إلى أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل غبش يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية.
وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاء إراديا بقصد التمويه على انحرافهم الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلى عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية منبثقة عنها.
ولعلنا لا نحيد عن الصواب إن ركزنا في بحثنا هذا على المرجعية الفكرية والفلسفية والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندا ومتكأ. ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني؛ وأعرضنا مطلقا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علما بأن فكرهم السياسي لم يتبلور قط إلى مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة والمال والتدبير العام؛ وإنما كان مبثوثا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلا ومضمونا، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة والروح والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري والسعادة والشقاوة؛ مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة.
أما التصنيف السياسي المباشر فقد ظهرت أولى بواكيره على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع"السياسة"بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في