ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر السياسي في محاورة"بروتاجوراس"، تقدم لنا خير مثال على ما نذهب إليه من أن الفكر البشري عامة والسياسي خاصة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام [1] .
لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء. ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع. فعمد"برومثيوس"إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ، من معبد أثينا، وسلمهما للإنسان. وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة.
على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها؛ مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة.
إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان:
ـ في بلاد ما بين النهرين، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم"أبناء الشمس".
ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة، والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية، وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية.
(1) - محاورة لأفلاطون، ترجمة محمد كمال الدين علي يوسف، سلسلة مذاهب وشخصيات ص 55 وما بعدها.