الناس من عبادة العباد إلى رحابة عبادة رب العباد، فاحتقروا تلك المعتقدات وترفعوا حتى عن اعتبارها فكرا أو فلسفة أو مجرد عقل سوي.
ثم التقوا بها بعد أن استعصى أهلها على الرشد، مجاهدين وغزاة وفاتحين، فحطموا الأوثان ونشروا رسالة التوحيد والإيمان.
والتقوا بها مرة أخرى حين وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة، وتحول أمر المسلمين إلى الاستبداد، وفر الصادقون من الأمة مضطهدين ومهاجرين شرقا وغربا؛ فنشروا دين الحق وقوضوا أركان الشرك والكفر.
ثم لما كان عهد بني العباس ذو النزعة الأعجمية فرسا وتركا، وانفرط عقد الوحدة العقدية بتمزق الأمة مللا ونحلا ومذاهب، وضعف الالتزام بالدين بين الحاكمين والمحكومين، وتمكن العسف والاضطهاد والاستبداد من رقاب العباد؛ أُرسلت عاصفة المترجمات الفلسفية اليونانية والسريانية والقبطية والفارسية، فتلقفتها النخبة المقربة من أصحاب النفوذ، وأصبحت الرطانة بمصطلحات اليونان والإغريق ميزة الصفوة وبدعة ذوي المقامات.
وإذ أخذ الفقهاء والعلماء الصادقون يضجون من موجة الانحراف هذه، ويوضحون خطرها على الأمة وعظا وكتابة وحوارا وجدلا، أُثيرت للتغطية والتمويه وصرف الأنظار، معركة كلامية حول ما دُعي علاقة بين العقل والنقل، تقديما وتأخيرا، حاكما ومحكوما. وبذلك أسبغت على الصراع بين الإسلام وبين الوثنيات الفلسفية صفة الجدل العلمي الرصين، على رغم ما في ذلك من خلط وتلبيس وتدليس. ذلك أن هذه التيارات التي زعمت أنها تحكم العقل في النص ليس لها ما يؤيد دعواها؛ لأن العقل السليم المجرد السوي، المتحرر من الخرافة والأوهام، المدجج بالمعارف المادية الصحيحة والتصورات الغيبية اليقينية ذات المصدر الرباني، ليس له إلا أن يسخر من هذه الفلسفات ذات الجذور الخرافية الأسطورية.
إن هذه التيارات التي تزعم تحكيم العقل في النص، لم تحكم في واقع الأمر إلا عقلا وثنيا مضللا، لأقوام عبدوا الأصنام والكواكب والنجوم والأشباح، واتخذوا