حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي. وما سار عليه الفكر السياسي الروماني الذي ميّز بين الدولة والفرد، وجعل لكل منهما حقوقا وواجبات، وبلور فكرة سيادة الدولة ونظرية العقد الحكومي، ونظرية القانون الطبيعي التي وضعها"شيشرون"على أساس أن للكون خالقا واحدا، وأن للدولة قانونا واحدا يجب أن يطبق على الجميع. إلى ما عربه المسلمون في دار الحكمة التي أسسها المأمون العباسي، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي.
إلا أن مما يثير الاستغراب أن العرب لم يقتبسوا من هذا التراث السياسي الذي عكفوا على تعريبه، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي؛ وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة، القادر وحده على إسعاد الشعب. أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما، فإن النقل العربي قد أهمله وأغفله، ولم نجد له أثرا في فكرهم وتراثهم. ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها. وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي، لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به.
هذه خلاصة المرجعية الفكرية والسياسية التي نُقلت إلى اللغة العربية، وصادفت ظروفا بيئية مناسبة للغراس فنمت وأثمرت.
ولقد التقى العرب المسلمون قبل هذه الفترة بهذه المعتقدات الدينية والفلسفية عدة مرات فاستعلوا عليها ولم تؤثر فيهم.
التقوا بها وهم رسل للنبوة الخاتمة بدعوة الحق لدى ملوك الفرس والروم والقبط، يملأ قلوبهم نور العقيدة واستعلاء الإيمان، والحرص الصادق الأمين على إخراج