فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 356

لها إلا ذلك والدجاجة البيض ليس لها إلا ذلك، كذلك يصدر الوجود عن الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ.

تُنسب هذه العقيدة إلى أفلوطين (205 - 270 م) ؛ ولكنها في أصلها مزيج وتلفيق لهلوسات أفلوطين وفيلون والمعتقدات الوثنية والمجوسية. وعندهم أن الموجود الأول ـ الذي يعنون به الله تعالى ـ واحد، ولذلك لا يفيض عنه إلا واحد هو العقل الكلي، أو العقل الأول، أو العقل الفعال، تختلف التسميات والمقصود واحد. ومن هذا العقل الكلي تفيض النفس الكلية، وعن النفس الكلية تفيض الأشياء المادية. وكلما فاض شيء من شيء تعلق الفائض بمصدره وامتلأ منه نورا. فالعقل تعلق بالموجود الأول وتلقى منه النور، والنفس تعلقت بالعقل وتلقت منه النور، والموجودات المادية كذلك تعلقت بالنفس. والإنسان الذي يتلقى الفلسفة، يتحول إلى عقل متصل بالموجود الأول، يتلقى منه النور والحقيقة، ولذلك له حق التحكم فيمن سواه من البشر؛ لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يبلغهم إلى السعادة، وهو الملْهَمُ القادر، نبيا كان أو فيلسوفا أو ملكا.

ولئن كانت هذه المعتقدات قد ظهرت لدى الكندي بصورة خافتة، بأن جعل الحركة مفعولة لله، ولكنها تخضع مباشرة للفلك الأقصى الحيّ العاقل المميز الفاعل، الذي هو أول فائض عن واجب الوجود ومنفعل به، وهو نائبه في تحريك الكون وتسييره؛ فإن هذه التصورات الضالة قد ظهرت بعد ذلك بصورة صارخة لدى الفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهما.

يرى الفارابي أن العقل الأول صدر عن الله فيضا واجبا لا دخل للإرادة والوعي فيه؛ ومن هذا العقل الأول صدر عقل ثان وفلك أعلى، واستمر الفيض والصدور على هذه الوتيرة، من كل عقل عقلٌ وفلك إلى تتمة عشرة عقول، آخرها العقل الفعال الذي فاضت عنه النفس، ومن النفس فاضت المادة بعناصرها الأربعة، النار والهواء والماء والتراب. فبالفيض في نظره صدرت الموجودات تباعا عن واجب الوجود حتما ولزوما، دون تعقل منه أو إرادة، إلى أن ظهر الإنسان. وكل فائض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت