فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 356

يتلقى النور والسعادة بالتعلق بمصدره والشوق إليه. كذلك الإنسان سعادته القصوى أن يشتاق إلى مصدره الأول"الموجود الأول"، ويتلقى منه النور ويتحد به. وطريقه إلى ذلك السعي إلى الكمال وتحصيل الخيرات والفضائل؛ وهذا سبيل السعادة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية.

وبما أن كل موجود ـ في عقيدتهم ـ تكوَّن ليبلغ كماله الأقصى الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود، فإن سعادة الإنسان القصوى هي الاتحاد بالموجود الأول. إلا أن هذه الرتبة ليست لأي إنسان، فالفضائل العظمى نظرية كانت أو فكرية أو خلقية أو عملية تُجعل فيمن أُعِدَّ لها بطبيعته. ومَنْ أُعد لها بالطبع، وبأعلى الدرجات هو القادر على إيجادها في الأمم والمدن. والملوك تبعا لذلك ليسوا ملوكا بالإرادة فحسب؛ ولكنهم ملوك بالطبيعة أيضا لأنهم خُلقوا ملوكا. ولا ينقص من قدرهم أنهم يصلون إلى الحكم أو لا يصلون. والملك أو الفيلسوف أو النبي أو الإمام عند الفارابي هو الوحيد القادر على تأديب الأمم وتعليمها، مثلما هو حال رب المنزل في تأديبه أهل بيته، أو القيِّم على الصبيان والأحداث.

والنبي واضع النواميس والملك والفيلسوف والإمام والرئيس الأول عندالفارابي بمعنى واحد يدل على الاقتدار والتسلط المطلق على من تحت يده. واقتداره ليس بقوة خارجة عنه فقط، بل بما يكون في ذاته من عظم المقدرة. كل هذه الألفاظ تعني الشخص الذي اجتمعت فيه صفات القدرة المطلقة لصلته بالعقل الفعال، سواء انتفع به غيره أم لم ينتفع؛ إذ ليس عدم الانتفاع به من قِبل ذاته، ولكن من جهة مَنْ لا يصغي إليه. وسواء وُجد مَن يقبل منه أو لم يوجد فهو دائما الفيلسوف والنبي والملك والرئيس الأول والإمام. وكما أن الطبيب طبيب بمهنته وقدرته على علاج المرضى وجد مرضى أم لم يجد، وجد آلة يستعملها في فعله أم لم يجد، كان ذا يسار أو فقر، إذ ليس يزيل طبه ألا يكون له شيء من ذلك. كذلك لا يزيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت