فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 356

إلا أن هذه المصنفات كثيرا ما تتشابه مواضيعها وتتقارب أساليبها، إلى حد يكاد يجزم المرء فيه بأن بعضها منقول عن بعض، مثلما هو الحال في كتابي"الأحكام السلطانية"للماوردي وأبي يعلى الحنبلي؛ إذ عاش المؤلفان في عصر واحد، وتوفي أحدهما ـ الماوردي ـ سنة 450 هـ، والثاني ـ الحنبلي ـ سنة 458 هـ؛ وعبارات الكتابين تكاد تكون واحدة، لولا أن أبا يعلى يذكر فروع الحنابلة ورواياتهم، والماوردي يذكر فروع الشافعية وخلافهم مع المالكية والحنفية.

لقد أطلق الفقهاء والمتكلمون على مباحثهم هذه مصطلحي"الأحكام السلطانية"و"الإمامة الكبرى"، أو الخلافة وإمارة المؤمنين؛ إلا أننا نؤثر أن نتخذ مصطلحا أكثر شمولا ومطلقية ومناسبة لمفاهيم العصر، يسع معاني المصطلحات التراثية إلى جانب ما يتعلق بجوهر تدبير أمر الأمة وشكله. ولعل مصطلح"النظام السياسي للدولة الإسلامية"يفي بما نرمي إليه. وذلك لأن نظام الدولة، أي دولة، ينبغي أن يتناول بالتأسيس والتقنين والرعاية جميع أوجه السير العام لمرافقها، من القمة إلى القاعدة عموديا، ومن أقصى السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والتربوية إلى أقصى مؤسسات المراقبة والمحاسبة أفقيا. والمصطلحات التي ابتدعت في الفقه السياسي لدى الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة قبلهم لا تتسع لكل هذه المعاني. من أجل ذلك ينبغي البدء بدراسة مدلول كل من هذه المصطلحات، لنتبين مدى كفايتها أو قصورها عن الأداء السياسي بشموليته التدبيرية عموديا وأفقيا، إدارة واقتصادا وسياسة واجتماعا.

على أن صعوبة تعترض سبيل هذه الدراسة، لأن بحثنا فيها شرعي وإن كان اعتمادنا فيها على اللغة؛ والشرع متلقى من الكتاب والسنة؛ ولكون الكتاب والسنة عربيين فلا بد من الرجوع إلى العربية في صميمها. إلا أن العربية نقلت إلينا لا على التواتر؛ فمعاني ألفاظها ظنية في غالب الأحيان إلا ما أثبت الوحي معناه أو نقله إلى معنى آخر. واللفظ كثيرا ما يوضع لعدة معان أو ينقل إلى معنى غيره، وليس لدينا ما يؤكد أنه وضع لهذا المعنى ثم نقل إلى الآخر، أو أنه وضع لجميع معانيه وضعا واحدا لنعتبره مشتركا. لذلك لا بد من الجمع بين طريقة استخدام اللفظ في الكتاب والسنة وبين استقصاء أصوله اللغوية التي لا شك أنها تومئ إلى بعض معناه من قريب أو بعيد.

والمصطلح الأول الذي اتخذه الفقهاء والمتكلمون عنوانا لدراستهم هو"الأحكام السلطانية". وهو مركب من لفظين، نعت ومنعوت، صفة وموصوف، وهو بشقيه اسم لعلم خاص. فلفظ"الأحكام"ليس اسما خالصا مطلقا قد انقطع عن نعته الذي يقيد معناه؛ لذلك لا بد في تعريفه من تعريف جزءي المصطلح.

والأحكام جمع مفرده حكم من فعل"حكم"، مضموم عين المضارع. والحاء والكاف والميم ـ كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس [1] _ أصل واحد هو المنع وتأويله المنع من الظلم، وسُميت حكمة الدابة لأنها تمنعها. والحكمة هذا قياسها لأنها تمنع من الجهل، ومنه حكمت اليتيم تحكيما إذا منعته من الفساد، وأحكم الشيء إحكاما إذا أتقنه، والحكم بالضم القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس كذا.

والحكم عند النحويين الأصل والقاعدة، يقال الحكم في الفاعل الرفع.

وعند الأصوليين هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

وعند الفقهاء عبارة عن أثر خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.

والحكم في علم القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. قال القرافي:"حقيقة الحكم إلزام أو إطلاق"، فالإلزام كما إذا حكم القاضي بإلزام الصداق والنفقة، والإطلاق كحكمه بزوال المِلك في الأرض التي زال عنها الإحياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت