فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 356

هذا التساؤل، رافق الإنسان منذ هُدي إلى تجمعه الفطري على أساس الأسرة، ثم القبيلة، ثم الأمة.

ولئن عرفت الإنسانية طيلة عمرها الموغل في القدم، حكاما ولم تعرف نظم حكم، فإن فطرتها كانت دائما تطمح إلى منهج يحقق لها الحرية والكرامة والعدل والمساواة. وكلما أُرْسلتْ إليها نبوة صادقة هادية، تأخذ بيدها إلى صراط مستقيم عتَّمت عليها الجاهلية، وحرَّفَ تعاليمَها حكمُ الاستبداد، بدءًا بالملك الإله، والرئيس المتصل بالعقل الفعال، والإمام المعصوم، والسلطان الذي يقطع رقاب المخالفين والمحتجين.

ولئن حاول أرسطو أن يتمرد على الحكم الفردي المستبد، والمدينة الفاضلة الأفلاطونية التي يرأسها نائب عن"واجب الوجود"، وأن ينظّر لفكرة سيادة الدستور، الذي يقوم مقام الحاكم، ويسد مسده، مما تحاول أمم الغرب المعاصرة تطويره تحت مفاهيم الديموقراطية بمدارسها المختلفة، برلمانية ورئاسية ومجلسية، مباشرة وغير مباشرة؛ فإن ذلك لم يخرج مطلقا عن مفهوم"الحاكم والمحكوم"، وإن خَفَّف من غلوائه وتجبره وتسلطه.

ذلك أن المبادئ القويمة للعدالة والمساواة والكرامة، تقتضي ألا يكون بين البشر حاكم ومحكوم. وإنما اشتراك في التدبير العام لأمرهم، حسب مقاييس القدرة والخبرة والصلاحية والتوزيع العادل للمهمات، والاستفادة المتوازنة من الخيرات.

وهذا ما قرره القرآن الكريم بقوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} ، وأكدته النصوص قطعية الثبوت والدلالة في عدة أحكام يتعذر استقصاؤها وحصرها في هذه المقدمة.

هذا ما كان عليه أمر المسلمين زمن النبوة الخاتمة، وفي عهد الخلافة الراشدة، مما ينسف فكرة"الحاكم والمحكوم"من أساسها؛ إذ الحكم لله، والناس مسلطون على أمرهم الدنيوي، في إطار العقيدة والتزاما بشريعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت