ومع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بَيَّن لنا أنْ ستكون"خلافة على منهاج النبوة" [1] فيما
رواه صحيحًا، أحمد والترمذي؛ ورسول هذا المنهاج - صلى الله عليه وسلم - خاطبه ربه - عز وجل - بقوله:
{- فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} الغاشية 22 - .
{-وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} - ق 45
وقال هو عن نفسه:"لست بملك ولا جبار".
ومع ما يضفيه التعبير النبوي"خلافة على منهاج النبوة"، من صفات بيّنة واضحة المعالم، لنظام أمر المسلمين؛ نهجا للتدبير العام، تَسْتَخلِفُ فيه الأمة لخدمتها وتنفيذ أمرها من تشاء، وتضع لذلك من النظم والأساليب ما يحقق مصلحتها ويحفظ شريعتها؛ فإن النظام السياسي للمسلمين منذ وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة، ارتكس في حمأة الاستبداد، وحاكمية العباد للعباد، وتسلط الأقلية على الأغلبية، واحتكار الأقوياء للسلطة والخيرات؛ سواء في مساره العملي لدى جميع الممالك والإمارات والمشيخات والجمهوريات، أو في مساره التنظيري لدى فلاسفة المسلمين الذين تبنوا نظرية الحاكم المعصوم المتصل بالعقل الفعال، أو الفقهاء الذين تبنوا نظرية خليفة الله في أرضه على عباده. فكانوا على مدار أربعة عشر قرنا، تبعا لمن بيده الأمر، يبررون انحرافاته، ويضفون على رعوناته وتصرفاته من القدسية ما تنكره القلوب الحية والعقول السوية، وترفضه العقيدة تصورا وشريعة ومنهاج سلوك.
هذه نقطة ضعف مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ إذ تدعو إلى نظام تدبير سياسي غير واضح المعالم. مما يبرر لخصومها تساؤلهم عن طبيعة المشروع السياسي في الإسلام، إن بقلب سليم أو بقصد خبيث؛ لذلك فإن محاولة تطوير الفقه
(1) - مستد أحمد 5/ 341، وسنن الترمذي الحديث رقم 2225