هذا، ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها، وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها، بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأي أحواله أحسن؟، أن يقول:"القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة، وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام"، أو أن يقول:"الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار؟").
وينبغي كما ذكر أيضا [1] : (ألا نعتقد في عصرنا هذا وفي أعصار منقضية، خليفة غير مستجمع لشرائط الإمامة متصف بصفاتها؛ فتبقى الإمامة معطلة لا قائم بها، ويبقى المتصدي لها متعديا عن شروط الإمامة، غير مستحق لها ولا متصف بها. وهذا هجوم عظيم على الأحكام الشرعية وتصريح بتعطيلها وإهمالها، ويتداعى إلى التصريح بفساد جميع الولايات وبطلان قضاء القضاة، وضياع حقوق الله تعالى وحدوده، وإهدار الدماء والفروج والأموال، والحكم ببطلان الأنكحة الصادرة من القضاة في أقطار الأرض، وبقاء حقوق الله في ذمم الخلق. فإن ذلك لا يتأدى على وفق الشرع إلا إذا صدر استيفاؤه من القضاة. ومصدر القضاة تولية الإمام. فإن بطلت الإمامة بطلت التولية وانحلت ولاية القضاة، والتحقوا بآحاد الخلق، وامتنعت التصرفات في النفوس والدماء والفروج والأموال، وانطوى بساط الشرع بالكلية في هذه المهمات) .
ولئن كان الشيعة إذ دخلوا مرحلة الانتظار وغيبة الإمام، قد أبقوا على الشريعة بكل أحكامها قائمة في المجتمع؛ فإن الغزالي قد جعل غياب الإمامة أو بطلانها مفضيا إلى انطواء بساط الشرع بالكلية. وهذا شطط منه كبير يثير التساؤل والاستغراب.
ولئن كان دليل وجوب نصب الخليفة عند جمهور أهل السنة النقل لا العقل؛ لأن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته ولا تحليل شيء أو تحريمه، كما قال أبو
(1) - فضائح الباطنية للغزالي ص 105