يعلى [1] ؛ فإن دليل النقل عندهم لم يكن سوى الإجماع. إلا أن الإجماع نفسه محتاج الى دليل من النصوص يثبت حجيته، لاسيما في قضية حساسة وخطيرة ومثيرة للجدل، متعلقة بالنظام السياسي للأمة؛ ولذلك قوبل الإجماع بالطعن فيه من الخصوم، بدعوى أن لا مطمع في إثبات حجيته دليلا بنص صحيح؛ وحديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) لم يُسلم لهم تواتره أو صحته، ويتطرق إليه التأويل بأن المقصود بالضلالة الردة والكفر والانسلاخ عن الإيمان. وإنْ سُلم بالإجماع حجة، فإنه في قضية الإمامة أيضا محتاج إلى مستند من نص، وليس بين أيدينا هذا النص.
غير أن أهل السنة يثبتون مستند الإجماع على وجوب إقامة الخلافة، بدليل العقل والمنطق، القاضي بأن إجماع الصحابة على الوجوب ـ وهو قطع منهم في مسألة ظنية لا مجال للقطع فيها ـ، يستحيل وقوعه منهم من غير سبب سمعي مقطوع به. كما لا يبعد أن ينعقد إجماعهم عن سبب مقطوع به ثم يقع الاكتفاء بالوفاق، ويُضرب المجمعون عن نقل السبب لقلة الحاجة إليه. وقد وصلنا إجماعهم فصار حجة، ولم يُنقل إلينا مستندهم فاكتفينا بذلك، وهذا دليل إثبات وجوب الإمامة بالنقل عندهم.
ولكن هذا النهج في الاستدلال لا يثبت عند التثبت والنقد لسببين:
أولهما أنه لا يجوز أن نثبت حكما شرعيا بناء على تصرف لغير النبي - صلى الله عليه وسلم -، مهما كان ورعه وتقواه، على أساس الظن بأنه قد يكون اطلع على دليل لم يصل إلينا؛ لأن هذا الأسلوب في الاستنباط يفتح ثغرة خطيرة في التشريع بالهوى والظن {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ـ النجم 28 ـ، وليس لنا إلا نبي واحد وقرآن واحد منهما نتلقى أحكام الدين.
(1) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 19