والثاني أن النصوص قرآنا وسنة ـ وضمنها ما ادُّعي عدم نقل الصحابة له ـ لا يجوز في حق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يكونوا أمناء على تبليغها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الإمام الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود:"نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وعدم نقلهم لما استندوا إليه في إجماعهم على وجوب الخلافة، إن كان منهم عمدا فهو كتمان وإثم، وإن كان نسيانا من جميعهم فهو إهمال وإن كان استغناء فتلك الطامة الكبرى. وكل ذلك ننزه عنه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ونحن إذا ما أعدنا النظر في هذا الأمر ألفينا أن مستند الإجماع على إقامة الخلافة ثابت بالأدلة النقلية كما هو ثابت بدليل الفطرة.
فمن النصوص القطعية التي استندوا إليها قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38، وقد تشاوروا في أمرهم وقرروا فيه ما رأوه مفيدا وصالحا ومرضيا لربهم.
وقوله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ} النور 62، وليس هناك من أمر جامع عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، إلا إقامة هيكلية الدولة الجامعة، وهو ما فوض الله إليهم البث فيه بواسطة الشورى الجماعية وما أرشد إليه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إذا كنتم ثلاثة فأمروا ...".
أما دليل الفطرة، فإن نظام تجمع الكائنات الحية على الأرض قائم على أساس التكتل؛ إلا أن القيادة بالنسبة للتكتل البشري، تكون بالاختيار الحر وهو نظام الإسلام، أو بالتسلط كما في نظم الاستبداد. هذه هي الفطرة لدى الكائنات الحية {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ـ الروم 30 ـ.
وعلى هذا، فإن إقامة النظام السياسي الإسلامي، خلافةً على منهاج النبوة، واجب شرعي، دليله من الكتاب والسنة والإجماع، والفطرة السوية التي فُطر الخلق عليها.