وأخلاقها شرط منطقي ومعقول وضروري لحفظ كيان الدولة ـ أي دولة ـ واحترام مقوماتها.
إلا أن خلافا ورد على هذا الشرط أيضا، لعدة أسباب، أهمها متعلق بحقيقة الإيمان والموقف العقدي من العدالة. وإذ يرى الحنفية أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه متعلق بالقلب، والأعمال شرائع الإيمان لا من نفسه؛ يذهبون إلى أن الفسق لا ينقص من الإيمان، ولا يخرج الفاسق من أن يكون أهلا للشهادة أو للقضاء أو للإمامة العظمى، وهو ما شرحه السرخسي في المبسوط [1] .
وإذ يرى غيرهم أن الأعمال من نفس الإيمان، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، يذهبون إلى أن الفسق يُخرج صاحبه عن أهلية الشهادة والقضاء والإمامة.
إلا أنهم في حالة الضرورة وخوف الفتنة، يجمعون على التساهل في أمر العدالة صغراها وكبراها، ويجيزون إمامة الفاسق المتغلب للمصلحة المرسلة؛ وفي ذلك يقول النووي [2] :"الإمام لا ينعزل بالفسق على الصحيح"؛ ويقول الزركشي [3] :"لا تبطل ولاية الإمام الأعظم بالفسق لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليها ضرورة".
أما شرط الحرية، فإن الفقهاء والمتكلمين لم يجيزوا إمامة العبد المسلم ولو أُعتق والمولى وإِنْ تفقه وبلغ مرتبة الاجتهاد، مع ما في موقفهم هذا من معارضة لأحاديث السمع والطاعة ولو لعبد حبشي. وهذا الشطط منهم لعله من رواسب عادات العرب وأعرافهم في الجاهلية. وهو في كل الأحوال مخالف لمقاييس المساواة بين المسلمين التي وضعها القرآن بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات 13، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم
(1) - المبسوط للسرخسي ج 5 ص 22
(2) - روضة الطالبين للنووي ج 10 ص 48
(3) - خبايا الزوايا للزركشي ص 415