فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 356

إن حامت حوله الشبهة بالقرائن والمخايل، وقتل ثلث الأمة استصلاحا للثلثين. وعلى ما سار عليه المالكية في هذا الباب سار الشافعية.

وإذا كان القتل سياسة جائزا عند الجمهور، فمن باب أولى جواز الجلد والسجن والنفي وبتر الأطراف سياسةً، للعظة والتخويف والإرهاب.

أما العقوبات المالية، فأبو يوسف من الحنفية يجيزها خلافا لإمامه وصاحبه، وكذلك الشافعية يجيزونها على خلاف في التفصيل، وعند أحمد مشروعة باتفاق في مواضع وباختلاف في مواضع أخرى، وعند المالكية جائزة في المشهور عن مالك.

كما ابتدعوا للتعزير أربع مراتب: تعزير أشراف الأشراف و يكون بالإعلان، مثل أن يقال للمذنب منهم:"بلغني أنك تفعل كذا"؛ وتعزير الأشراف كالدهاقنة من كبار القرى والقبائل، والتجار ومن لهم مال وعقار، ويكون بالإعلام والجر إلى باب القاضي أو الوالي؛ وتعزير الأوساط وهم العامة، ويكون بالحبس وغيره؛ وتعزير الخسائس، وهم المشبوهون، ويكون بالحبس والضرب أو بما هو أشد من ذلك.

وإذا مات من عُزر، فدمه هدر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويُضمن من بيت المال عند الشافعية.

وهذه الأحكام كلها لا ضابط لها من شرع واضح مُوَثَّق، وإنما الهوى والمزاجية الآنية؛ وكم من مستحق عقوبة أو حدا عُفي عنه وأُغدق عليه المال لإنشاده بيت شعر أعجب الخليفة، وكم من بريء قُتل لقوله كلمة صدق وحق وعدل.

ولئن كان التعزير قد شُرع بدليل الإجماع للجرائم التي لا حد فيها، والجرائم التي فيها حد ولم تكتمل أركانها؛ فقد وُظف في واقع الأمر وغالبه، للانتقام السياسي وتصفية المخالفين والمعارضين والمحتجين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

ومن حيث التدبيرُ العام: يدخل في اختصاص الإمام وحده كل شؤون الإدارة والمال وتعيين أمراء الأقاليم وولاتها، والقضاة ومسؤولي مرافق الدولة والأمن، وإعلان الحرب الدفاعية والهجومية، لأغراض دينية أو دنيوية، جهادا أو عدوانا، داخليا أو خارجيا، لقهر المسلمين أو غير المسلمين.

هذه خلاصة تصور الفقهاء والمتكلمين، لسلطة الخليفة أو الإمام أو الملك أو السلطان أو الأمير، على اختلاف في الألقاب وتماثل في التصرف. وهو تصور لا يمت للشريعة الإسلامية إلا بما أُضفي عليه من تأويلات مشتطة لبعض النصوص، أو قياس غير منضبط على بعض الأخبار والأحداث.

لقد كان تصورهم مقتصرا على ضرورة وضع أسس للتحكم والسيطرة، في مجتمع يرفض بفطرته ما لم يُقدم إليه في"طبق"إسلامي. وهذا التصور بأدنى تدبر وتمعن يكشف بوضوح، أن فكرهم السياسي كان في عمق السياسة الوضعية التي تفصل بين الدين والدولة، وإِنْ عتموا على ذلك بمختلف ضروب التمويه والتعمية.

ولئن كان الفكر السياسي الوضعي فيما قبل مكيافيلي (1469 - 1527 م) ، منذ نشأته اليونانية الأفلاطونية والأرسطية وتطوره الروماني، قد تبنى الأخلاق والفضيلة والعمل لسعادة الإنسان مع احتفاظه بجوهر الحكم الفردي، فإن الفقهاء والمتكلمين احتفظوا أيضا بفكرة الحكم الفردي، ولكنهم جعلوها في خدمة السلطان من أجل رفاهيته وحده ودوام سلطته بمفرده؛ وأباحوا من أجل ذلك جميع الوسائل الناجعة التي تحقق الهدف، أخلاقية كانت أو غير أخلاقية. وهو ما يُعد خطوة متقدمة وممهدة لما عُرف بعد ذلك بمبدأ"الغاية تبرر الوسيلة"، أو"السياسة النفعية"، أو"المكيافيلية"في الاصطلاح السياسي المعاصر.

ويكفينا مثلا لذلك، أن نقارن بين رأي بدر الدين بن جماعة في"تحرير الأحكام"إذ يقول [1] :"إذا خلا الوقت من إمام وتصدى لها من هو أهل لها،"

(1) - الصفحة 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت