فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 356

قطعًا ومؤد إلى الكفر إن لم يكن الكفر بعينه، فإن مفهوم المخالفة في هذه الآية الكريمة يبين أن في الأمر تشريعين إنشائيين، أحدهما محرم هو ما لم يأذن به الله، وآخر مباح هو ما أذن فيه بقوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38.

وقد روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} التوبة 31، هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلّوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه.

وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:"ما هذا يا عدي؟ اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ من سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} التوبة 31، ثم قال:"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرموه".

لاشك أن عملية التشريع الشوروي وضع لقوانين وإنشاء لقواعد، ولكن هذه العملية في ميدان سكت عنه الشرع وفوض للأمة أمر تدبيره. فإذا تقيد هذا التشريع بالشورى الجماعية الآذنة فيه، دخل في صميم النهج الإسلامي الرشيد، متميزًا تميزًا كاملًا تامًا عن التشريع بغير ما أنزل الله تعالى.

إن مجال الابتلاء الدنيوي بهذا الاعتبار يشمل ثلاث مناطق تشريعية هي:

-ـ منطقة التشريع الملزم وهو المستمد من الكتاب والسنة وما يحمل عليهما.

-ـ منطقة التشريع المأذون فيه، وهو الموضوع بواسطة الشورى الجماعية، بمقتضى قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38.

-ـ منطقة التشريع المحرم، وهي ما سوى المنطقتين السابقتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت