إلا أن النهج الدستوري تعترضه في النظر الإسلامي مآخذ، تجعله غير ذي جدوى. من هذه المآخذ:
-أن لفظ"دستور"، وهو فارسي معرب، معناه قوانين الملك وضوابطه. وقد لقب به أولًا الوزير الكبير الذي يرجع إليه في أمور الملك. ثم أطلق تجوزًا على الذي يدير أمور الملك. واللفظ بذلك ذو نشأة تحكمية استبدادية تلقي بظلالها على طبيعته الحالية. إذ الدستور يعد حاكمًا مسطورًا على الأمة، والذي يضعه أو له حق تعديله وتغييره واستبداله هو الحاكم الفعلي، سواء كان ملكًا أو رئيسا أو مجلسًا.
-أن الدستور منشؤه الأصلي والحالي بشري، خاضع لأهواء واضعيه ومصالحهم وأهدافهم. وقد ابتدعه أرسطو الوثني، وتطور في بيئة غير مسلمة. ولذلك لم يفلح في المجتمعات الإسلامية التي عملت بنظامه، ولم ينسجم مع التشريعات الإسلامية عقدية كانت أو عملية؛ إذ الازدواجية التشريعية التي نشأت عن تبنيه، وأدت في كثير من الأحيان إلى التنافي المطلق بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي، أكدت للمتبصرين أن الأخذ بهذا النظام كما ورد في الفكر اليوناني أو كما طوره الغرب حاليا ً، وكما يهرف به حكام بعض المسلمين المعاصرين ومعارضوهم الديمقراطيون، عامل تخريب وتمزيق وفتنة وإهدار للطاقات.
-أن الدستور في جوهره ومبناه ينطلق من قاعدة تلغي وتعارض كل دور للتشريع الإسلامي، وإن اعترف أحيانًا مسايرة وتجنبًا للإثارة بدور للأديان في الحياة.
إلا أن نقدنا للنظم الدستورية لا يعني أننا نقر مختلف ضروب الاستبداد والحكم الفردي التي عرفها المسلمون منذ سقوط الخلافة الراشدة؛ فالاستبداد دائمًا هو الاستبداد، مهما أطلق عليه من ألقاب وما كيل له من مديح وتقريظ. وإنما يلزمنا أن نعمل بجد وعزم لنخرج إلى النور البديل السياسي الإسلامي الحق، ذا النزعة العملية القابلة للتطبيق. ولن نحقق هذا الهدف إلا بأن نغادر أولا مرحلة التغني والتبشير العاطفي، ونتحرر من سجن التراث السياسي لفقهاء القصور، إلى رحاب التفكير العلمي المنضبط بالكتاب والسنة، منهجية بحث، وملاحظة وتحليلًا