ومقارنة، وتجريدًا وتوثيقًا وتبيانا لمختلف العوائق والصعاب، وتوضيحا لطرق تنزيل النظم والقواعد.
أول خطوات هذه الاندفاعة التشريعية تقتضي التمييز الواضح بين مجال الأحكام العملية المحتاجة إلى مزيد تطوير لفهمنا وتصرفاتنا كي نرتفع إلى مستواها، ونستطيع تنزيل أحكامها على ما يستجد من قضايا العصر؛ وبين مجال التشريع الشوروي الذي هو في أشد الحاجة إلى بذل الجهد من أجل استقصاء جوانبه، واستجلاء غوامضه، لأنه يغطي كل جوانب الحياة التي تركت مهمة تنظيمها للأمة؛ فهو يعنى بوضع القواعد التي تبين أسس الدولة وشكلها، وطبيعة علاقاتها بمؤسساتها، وكيفية توزيع السلطات التدبيرية فيها، وطريقة إنشاء الهيئات التي تباشر هذه السلطات، والإجراءات التي تؤدي إلى اتخاذ القرارات وتنفيذها والمحاسبة عليها، كما يعنى بوضع القواعد المنظمة لعلاقة الدولة فيما بينها وبين مواطنيها والأجانب فيها، أو بينها وبين غيرها من الدول في حالات الحرب والسلم والمهادنة والقواعد المنظمة لعلاقات الأفراد الطبيعيين والمعنويين فيما بينهم، وحدود حقوقهم وحرياتهم، ومساحات نشاطهم وجزاءات مخالفاتهم. كما أن من صميم اختصاصه وضع النظم والتصاميم والمشاريع التي تضمن سيرًا جادًا للأمة بمرافقها ومؤسساتها نحو المقصد الأسمى الذي أخرجت له وأمرت بتحقيقه.
إننا إذ نملأ دائرة الفراغ التشريعي بالقواعد المستندة إلى الشورى العامة نكون قد غادرنا مرحلة الشفوية والعفوية، والإعجاب الساذج بتراثنا السياسي الوضعي، والارتجالية المزاجية التي طبعت تصور كثير من الفقهاء لعملية الشورى، والتصرفات السلطانية المبررة بمختلف ضروب الاستنباط الفقهي المغرض.
إلا أن هذه المجالات التي ترتادها القواعد الشوروية الإنشائية، ينبغي أن يتوفر لها المناخ الإسلامي الرشيد الذي تؤسسه العقيدة بأحكامها ومقاصدها من إخراج هذه الأمة للناس، مرشدة وهادية وشاهدة؛ وأن يسير التشريع الشوروي فيها على نهجين متوازيين: