بادئ ذي بدء ينبغي التمهيد لذلك بتوضيح ثلاثة أمور:
أولها أن الشأن الدنيوي مشترك بين جميع الناس، مسلمهم وغير مسلمهم، ولذلك فالتجربة الإنسانية فيما لا يؤثر في الدين مشاعة للجميع، وقد استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخندق وهو تجربة فارسية؛ كما أن بعض الشأن الدنيوي لدى المسلمين وغيرهم ينظمه الدين؛ سواء في ذلك الديانة الموسوية التي وضعت تشريعات دينية ودنيوية، أو المسيحية التي اقتصرت في أول أمرها على الجوانب العقدية والخلقية، ثم اضطرت كنيستها في فترة الاضطهاد إلى انتحال قوانين كنسية مبنية على مبادئ القانونين الطبيعي والروماني. ثم بعد أن تم الانقلاب على المسيحية وتأسيس الدولة اللائكية في أوربا تحولت هذه القوانين إلى مجرد مصدر تاريخي.
أما في الإسلام فقد صنفت الشريعة الأحكام إلى ثلاثة أصناف: صنف واجب الاتباع هو الأحكام الشرعية العملية، وصنف محرم هو التشريع فيما لم يأذن به الله وصنف ثالث مأذون فيه بواسطة الشورى العامة المؤطرة بالعقيدة ومقتضياتها.
والأمر الثاني هو أن مصادر التشريع الشوروي المأذون فيه غير ملزمة إلزاما مطلقا، والرجوع إليها أو اتخاذها موردا، اختياري تقدره الأمة بقدره في كل حالة وحادثة؛ ولا يستثنى من ذلك إلا مصدر واحد ملزم هو التصور الإيماني ومقتضياته.
والأمر الثالث أن التشريع الشوروي لا تكاد تحصره قواعد أو تستوعبه قوانين مكتوبة، نظرا لكونه يغطي كافة أنواع النشاط البشري الذي يتغير ويتنوع بتطور الحياة والمعارف العلمية اختراعا وتصنيعا واكتشافا؛ مما يقتضي أن تتعدد مصادره وتتطور باستمرار، وأن تنبثق في كل حين مصادر جديدة تناسب تجدد الأحوال والأجيال، وتكون معبرا ضروريا تمر منه القوانين والقواعد والنظم المستحدثة.
لذلك نكتفي في هذه الدراسة بأهم المصادر المعتمدة حاليا، نفردها في ستة مباحث هي: التصور الإيماني وقانون الفطرة ـ أدلة الأحكام الشرعية العملية ـ الفقه وأحكام القضاء ـ رصيد التجربة الإنسانية ـ الاستحسان ـ المصالح المرسلة