فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 356

إلا أن هدفنا أبعد غورا مما حققته الديموقراطية. هدفنا القضاء التام على الاستبداد والقهر، وعلى الثنائية غير المتكافئة في العلاقات الإنسانية. وليس من سبيل إلى ذلك إلا الشورى القرآنية. هذا هدفنا وذاك مسعانا فهل من حقنا ذلك؟

إن طبيعة الاستبداد لا تتغير من قطر إلى قطر، أو من أمة إلى أمة، أو من عصر إلى آخر. إنها ذهنية مسلكية واحدة، وإن استبدلت بالقبعة"غترة"، وبالطربوش طاقية، لأن الإنسان هو الإنسان والداء هو الداء.

وإن محاولات هذا الإنسان عبر التاريخ للتخلص والتحرر من الاستبداد، لا تني تكرر نفسها بإلحاح وجهد جهيد. وقد استطاعت أوربا الغربية أن تقطع في هذا السبيل أشواطا بفكرها الوضعي. إلا أن عدم ارتكازها على مبادئ يقينية المصدر، قطعية الصواب، لم يبلغها الهدف النهائي المرجو.

لقد نشأت الديموقراطية الحديثة نخبوية سلطوية، يسيطر فيها القوي على الضعيف والغني على الفقير، وتفقد فيها المرأة بمجرد زواجها حق الملكية، فتسجل أملاكها باسم زوجها. ولم يلغ فيها قانون حرمانها من الأهلية التجارية في فرنسا إلا سنة 1938، وقانون حرمانها من الحقوق السياسية إلا سنة 1944. كما أن الحرية والمساواة اللتين قامت الديموقراطية على أساسهما أقصتا النساء والغرباء والعمال والفلاحين والعبيد، سواء في أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، أو في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية إلى ما قبل بداية القرن العشرين. ثم بالتدريج والممارسة والتجربة اتسع نطاق الحقوق، وتقلصت هوة الفوارق. ولكن ذلك لم يقض على عقلية الاستبداد المبني على التركيب الثنائي للمجتمع حكاما ومحكومين.

أما الشورى القرآنية، فإن مصدرها رباني متيقن، وصوابها ثابت قطعي، وتوجيهاتها من الذي خلق الخلق ووضع نواميسه وسننه، وعلم ما يصلح له وما يصلح به. لذلك فالمبادئ التي وردتنا عنه كفيلة بما يحل مشكلة السلطة والتسلط ويجعل الناس سواسية، ذكرا وأنثى، شعوبا وقبائل، ليتعارفوا. أكرمهم عند الله أتقاهم. وهذا جوهر الخلافة على منهاج النبوة الذي نسعى إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت