فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 356

يفعل ما يشاء، مستعينا بشيوخ القبائل،"مستنيرا"بالإلهام المستمد من الأصنام التي يعبدونها.

كما كونت الأعراف والتقاليد والبدائية والخرافة والأوهام الدينية لديهم، شروطا للسيادة جعلتهم طبقات ومراتب، أشرافا وعامة، أحرارا وعبيدا وموالِيَ؛ على رغم مظاهر المساواة الخادعة التي موهت بها البداوة في معاملاتهم وعاداتهم وتقاليدهم. فدم الشريف لديهم لا يكافئه إلا دم شريف مثله، ولا كفاية لغير العربي في الزواج إلا بغير العربية، ودم الرئيس عندهم مقدس ويشفي من عضة الكلب، وشرف المال جعلهم أتباعا ومتبوعين، مادحين وممدوحين. وقمة الشرف لديهم المَلِك وأهله، ثم الأعيان والوجهاء والمقاتلون، ثم الأسر التي تنجب الذكور أكثر من غيرها، ثم الأجراء والحرفيون والمزارعون والخدم والعبيد.

والتفوق في السيادة عندهم لكل من فاق غيره بالمال والعقل، والدفع والنفع، والفحولة وكثرة الأبناء من الذكور، والقوة الجسدية والنسب والسجايا والعادات إلا أن لكل قبيلة ترتيبها لأولويات هذه المزايا كما ذكر صاحب خزانة الأدب [1] نقلا عن شرائع المروءة للجاحظ، قال:

(كانت العرب تسوِّد على أشياء؛ أما مضر فتسود ذا رأيها، وأما ربيعة فمن أطعم الطعام، وأما اليمن فعلى النسب. وكان أهل الجاهلية لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء والنجدة، والصبر والحلم، والتواضع والبيان. وقيل لقيس بن عاصم:"بم سُدت قومك؟"، قال:"ببذل الندى وكف الأذى ونصرة المولى وتعجيل القِرى") . وقال الأصمعي: (ذكر أبو عمرو بن العلاء عيوب جميع السادة وما كان فيهم من الخلال المذمومة، إلى أن قال:"ما رأيت شيئا يمنع من السؤدد إلا قد رأيناه في سيد؛ وجدنا الحداثة تمنع السؤدد وساد أبو جهل بن هشام وما طَرَّ شاربه، ودخل دار الندوة وما استوت لحيته. ووجدنا البخل يمنع السؤدد وكان أبو سفيان بخيلا عاهرا، وكان عامر بن الطفيل بخيلا"

(1) - عبد القادر البغدادي في كتابه خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ج 3 ص 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت