عاهرا وكان سيدا. والظلم يمنع السؤدد وكان كُليب بن وائل ظالما وكان سيد غطفان. والحمق يمنع السؤدد وكان عيينة بن حصن أحمق وكان سيدا. وقلة العدد تمنع السؤدد وكان السيل بن معبد سيدا ولم يكن بالبصرة من عشيرته رجلان. والفقر يمنع السؤدد وكان عتبة بن ربيعة مملقا وكان سيدا")."
كما كانت لهم مقاييس للسؤدد والرئاسة مغرقة في البدائية والتخلف، متعلقة بصفات جسمانية بيولوجية. ففي عيون الأخبار لأبي مسلم الدينوري [1] : (قيل لأعرابي:"بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟"، فقال:"إذا كان سائل الغُرَّة طويل الغُرْلَةِ، مُلْتَاث الإزار، وكانت فيه لوثة، فلسنا نشك في سؤدده". وقيل لآخر:"أي الغلمان أسود؟"، قال:"إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقْرِبْ به من السؤدد") . وعرَّف معاوية بن أبي سفيان السؤدد بثلاث هن: الصَّلع واندحاق البطن وترك الإفراط في الغيرة. وكلهن متوفرات فيه.
إلا أن هذه الصفات والشروط الخاصة بالسؤدد عند العرب ـ بيولوجية وسلوكية ـ، كان يطغى عليها توفر شرط واحد، هو الغلبة بأي وسيلة كانت. فالذي يغلب قومه ويروضهم بماله أو سلاحه أو أنصاره هو السيد فيهم بلا منازع؛ وهو الملك المُطاع الذي يفعل ما يشاء. وهذا شأن الشعوب البدائية عادة، التابع فيهم مملوك واجبه الطاعة وتنفيذ الأوامر في النفس والأهل والولد والمال؛ والملك عليهم مالك لكل شيء، إذا طمع في مال صودر، أو أمر بقتل امرئ قُتل، أو همَّ بفاحشة مُهِّدَ له سبيلها وأُضفيت على ممارسته الشرعية، واعتُبر ذلك منه فحولة ورجولة. وقد ذكر صاحب خزانة الأدب [2] كيف أفرط مَلِك طسم على جديس، حتى أمر بأن لا تُزف امرأة من جديس إلا إذا أُتي بها إليه قبل زوجها. وسارت هذه السنة فيهم إلى أن هجتهم عروس منهم بقولها:
لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يُفعل بالعروس