فغضبت جديس ودبرت مكيدة لقتل الملك.
ولفظ"مَلِك"من الألفاظ العربية القديمة وردت في جميع لهجات العرب، وتلقب بها ملوك الحيرة وغسان وكندة. كما كانوا يطلقون على الملك أيضا لقب"الوَحَى"، أي النار. وقد روى الثعالبي في"فقه اللغة" [1] ، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال:"سألت ابن الأعرابي عن الوَحَى"، فقال:"هو الملك". فقلت:"ولم سمي الملك وَحىً؟"، فقال:"الوَحَى: النار؛ فكان الملك مثل النار يضر وينفع".
والسنة عندهم أن المُلك وراثي ينتقل من الأب إلى الابن الأكبر، إلا ما شذَّ. والنخبة من عشيرة الملك والوجهاء وشيوخ القبائل ورجال الدين هم أهل الحل والعقد الذين يشرفون على تنصيب الملك. وهم المستشارون الذين يعينونه على التخلص من مناوئيه، وعلى إشباع رغباته وأهوائه. ويطلق عليهم الأذواء والأقيال.
أما الطبقات الضعيفة فهم السوقة لأن الملك يسوقهم، وهم بمنزلة الماشية من الراعي، والرعاع من العصا، والغوغاء السفلة تحت السوط، إذا فزعوا طاروا ليس لهم مطلقا رأي في أمر أو كفاءة لإبداء نصيحة أو مشورة.
أما القوة العسكرية لدى ملوك العرب فقد كانت ضعيفة؛ لا تكفي إلا لكبح جماح التمرد الداخلي أو عدوان عرب الجوار. وذلك نظرا لضعف المنطقة اقتصاديا وفقرها ديموغرافيا، بسبب طبيعة الصحراء وكثافة الهجرة منها إلى أماكن الخصب والرخاء. مما اضطر به ملوكهم في أغلب الحقب إلى الخضوع للفرس والروم والأحباش، والتأثر ببعض عاداتهم وتقاليدهم في الملك، والاستعانة بهم ضد منافسيهم من عرب الجوار. فظهر بذلك ما أُطلق عليه في التصانيف اللاتينية واليونانية القديمة:"عرب الروم"، و"عرب الفرس"، و"عرب الأحباش".
(1) - ص 321