أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله. ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ... ).
وعندما استشهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ [1] اجتمع طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار وأتوا عليا يبايعونه؛ فأبى بشدة وقال لهم: (أكون وزيرا لكم خير من أن أكون أميرا، ومن اخترتم رضيته) ، فألحوا عليه وقالوا: (لا نعلم أحق منك، ولا نختار غيرك) . وما زالوا يلحون عليه في الأمر حتى غلبوه فيه وأخرجوه إلى المسجد فبايعوه. وعندما قيل له وهو خليفة [2] : (ألا تستخلف علينا؟) ، قال: (ما استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستخلف. ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) .
وروى أحمد في مسنده [3] بإسناد صحيح عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: (سمعت عليا يقول:"لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟". قالوا:"يا أمير المؤمنين فأخبرنا به نبير عترته". قال:"إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي"، قالوا:"فاستخلف علينا". قال:"لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". قالوا:"فما تقول لربك إذا أتيته؟"ـ وقال وكيع مرة: إذا لقيته ـ. قال:"أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم") .
ومن غرائب التقديرات الإلهية في أمر الخلافة الراشدة، أنها بدأت بالسنة النبوية التي هي العزيمة، إذ لم يستخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا، وترك الأمر للمسلمين كافة، يرون فيه رأيهم ويقررون فيه ما يظنونه مصلحة لهم. وقد أخرج كل من البغوي في مصابيح السنة عن حذيفة، والترمذي، قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال أخبرنا إسحاق بن عيسى عن شريك عن أبي اليقظان عن زادان عن حذيفة ـ
(1) - تاريخ ابن خلدون 2/ 150.
(2) - تاريخ ابن كثير 5/ 251.
(3) - مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر (2/ 242) .