رضي الله عنه ـ قال: قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال:"إِنْ استخلفْ عليكم فعصيتموه عُذِّبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه"). ثم انتهت بالسنة النبوية التي هي العزيمة أيضا، لدى كل من عثمان وعلي، إذ تركاها كما تركها الرسول - صلى الله عليه وسلم - شورى بين المسلمين. مما يرسخ القاعدة الأساسية التي لا تسمح لأحد بأن يتطاول على أمر الأمة أو يحتكره في نفسه أو أسرته أو قبيلته أو حزبه. ويبقى ما فعله أبو بكر وعمر ضمن حكم الضرورة التي تبيح المحظورة، وتفتح باب الترخص والتيسير، ويُرتكب لها الضرر الأخف دفعا للضرر الأكبر، لا سيما إذا خيفت فتنة تعقبها ردّة.
إلا أن ما يجب توضيحه في هذا الأمر والتركيز عليه، هو أن ما فعله أبو بكر وعمر يُعد رخصة استخلاف لا رخصة توريث. إذ البون شاسع بين الاستخلاف، الذي قد تدعو إليه الضرورة القصوى، المقدرة بقدرها المنضبطة بشروطها؛ وبين التوريث الذي ليس لإباحته رخصة أو أصل عزيمة.
وأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، تصرفوا في أمر اختيار الخلفاء بين الرخصة والعزيمة، على أنه أمرهم وشأنهم؛ يقررون فيه ما يرون من مصلحة، ويقدرون ما يحيط به من ضرورة، ضمن سلوكيات فقهية تدَينية بدهية. فلم يضيقوا على أنفسهم واسعا، ولم يكفر بعضهم بعضا، ولم تُقطع باختلافهم وشيجة رحم أو رابطة إيمان، ولم يسقطوا فيما انزلق إليه فقهاء الأحكام السلطانية بعدهم.
فما هي الظروف والمسوغات التي جعلت أبا بكر وعمر يلجآن إلى هذه القاعدة الفقهية، قاعدة الرخصة بدل العزيمة، أو كما يقول الفقهاء: الأمر إذا ضاق اتسع؟
إن موقفهما هذا يُنظر إليه من أربع زوايا:
1 -زاوية الترتيبات التي وضعها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعد وفاته.
2 -زاوية فتن النفاق والردة والتمزق القبلي.