فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 356

من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله عز وجل لن يجمع أمتي إلا على هدى". والجماعة في هذا الحديث وردت بمعنى الأغلبية. ولئن وصفوا رواية البختري عن أبيه بالضعف، فإن حديثه هذا تقويه السنة العملية، وعمل الراشدين بمقتضاه، وأحاديث الجماعة ولزومها، التي وردت بعدة روايات تبلغ درجة التواتر المعنوي."

هكذا كان ينشأ القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحربي بالإجماع أو الأغلبية، في القضايا الدنيوية التي لم يرد فيها نص؛ ثم ينفذ تحت مراقبة جميع أفراد الأمة ونصحهم وتعاونهم.

ثم بعد حين انتقل هذا المقياس ـ مقياس الإجماع والأغلبية ـ من المجال السياسي إلى المجال الفقهي؛ عندما اضطر المسلمون إلى استنباط أحكام شرعية من نصوص الكتاب والسنة لما يجد من حوادث وأحداث. فعُرف بذلك في علوم الفقه وأصوله مصطلح"الإجماع"، ومصطلح"قول الجمهور"الذي هو رأي أغلبية المجتهدين أو المذاهب.

هذا في القضايا العامة والخطط التي تمس المصالح الكلية وسياسة الدولة والمجتمع. أما القضايا الجزئية والتنفيذية والإجرائية، فقد كانت موكولة إلى الجهاز التنفيذي برجاله ومرافقه.

ولقد كان منتظرا أن تتطور هذه التجربة الفذة المبنية على الشورى، بعلاقتها العضوية مع الاجتهاد السياسي وحرية الرأي، ومفهومي الإجماع والأغلبية في إطار الإيمان والخلق الكريم؛ لترقى إلى نظام لم تعرفه البشرية من قبل ولا من بعد. إلا أن الصراع القبلي على السلطة والتنافس عليها، ورواسب التقاليد السياسية والأعراف الاجتماعية والثقافة البدائية الموروثة من عهد الجاهلية، وتأثير النظم السياسية لدى دول الجوار فرسًا ورومًا وأحباشا، وما كان كامنا في المجتمع الإسلامي حينئذ من جماعات أسلمت نفاقا أو انتهازية، وعدم قيام مؤسسات إدارية وتنظيمية للشورى والتدبير العام ... اغتال هذه التجربة الوليدة والفريدة والراشدة، التي بشر بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت