الإيجابية والسلبية في الحياة، ومدى قوته وضعفه وطموحه ونوازعه، وطاقاته واستعداداته وعلاقاته، وفضائله ونقائصه وصوابه وخطئه.
إن العدالة الإسلامية تتعامل مع واقع الحياة ومجتمع الناس، لا مع فروض مستمدة من التجريد المحض، أو الخيالات والأوهام المجنحة؛ وتعمل من خلال الحقائق الموضوعية ذات الوجود الواقعي المستيقن. وما عدا ذلك من مفاهيم فلسفية ضبابية وتفكير غائم وتصور أغبش، فلا مجال له في ساحة العدالة الإسلامية المستمدة من مشكاة الوحي.
وبالنسبة للنظرية النفعية نلاحظ أن العدالة الإسلامية تضع للنفع مقاييس إلهية غير تلك الخاضعة للحواس والهوى والشهوات ومختلف الإشباعات الحيوانية السائبة التي جعلوها مقياسا لسعادة الإنسان.
إن النفع الإسلامي يتخذ الدنيا مطية لحياة أخرى أبدية فيها محاسبة وجزاء، ويسعد الناس بصفتهم بشرا سويا متوازنا في فكره وعواطفه وسلوكه وكسبه وعلاقاته. وهو بذلك نفع مجاله أرحب ونطاقه أوسع وفائدته أكثر دواما؛ لأنه يشمل الدنيا والآخرة. وبذلك تتميز نفعية العدالة الإسلامية عن العدالة البراجماتية تميزا تاما في المبادئ والمنطلقات، وفي المجال والممارسة والنتائج.
إن مما يميز البراجماتية أنها تختلف عن العدالة الإسلامية في أهم خصائصها؛ فهي تعد الكينونة البشرية دنيوية فقط، غايتها السعادة. وهي بذلك انبثاق ذاتي من الفكر اليوناني الوثني الذي لا يؤمن باليوم الآخر. أما العدالة الإسلامية فنفعيتها تخاطب الكينونة البشرية في بُعديها الدنيوي والأخروي، والنتائج التي يتوخاها المؤمن بجانب سعادة الدنيا هي رضى الله تعالى. وأكبر خسارة لديه هي خسران الآخرة {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} المطففين 15. ومن استطاع أن يتلاعب بالعدالة في الدنيا ويفلت من العقوبة، فالآخرة تنتظره؛ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وجلودهم بما عملوا: ِوَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ