جاء شاب إلى علي رضي الله عنه فشكا إليه جماعة كانوا مع أبيه في سفر. وقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر فعادوا ولم يعد أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئًا، وكان معه مال كثير، وترافعا إلى شريح، فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فدعا علي بالشرط، فوكل بكل رجل رجلين، وأوصاهم أن لا يمكنوا بعضهم يدنو من بعض، ولا يمكنوا أحدًا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم. فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن غسله ودفنه؟ ومن تولى الصلاة عليه؟ وأين دفن؟ ونحو ذلك، والكاتب يكتب، فكبر علي، وكبر الحاضرون والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم، ثم دعا آخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه، فسأله كم سأل صاحبه، ثم الآخر كذلك، حتى عرف ما عند الجميع.
فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، ثم أمر برد الأول فقال: يا عدو الله، قد عرفت عنادك وكذبك بما سمعت من أصحابك، وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبر، وكبر معه الحاضرون، فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم، فدعا آخر منهم، فهدده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد كنت كارهًا لما صنعوا؟ ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعى الذي في السجن، وقيل له: قد أقر أصحابك ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بكل ما أقر به القوم، فأغرمهم المال، وأقاد منهم بالقتيل .. !