ولما ثبت أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أبلغه بلالا أن عاملا من عماله كان يأخذ الخمر من أهل الذمة مقابل الجزية، قال"قاتل الله فلانا أما علم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ـ يعنى شحوم الخنزير ـ فجملوها ـ أي أذابوها ـ وباعوها وأكلوا أثمانها"ثم قال:"ولوهم بيعها وخذوا منهم أثمانها" [1] "
قال أبو عبيد"يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين" [2]
فهذا يدل على جواز بيع غير المسلم سلعة وقبض ثمنها منه الذي اكتسبه من تجارة الخمر أو الخنزير أو الربا، وكذا الاقتراض منه.
وقد فرق الشافعية بين كون هذا المصدر المكتسب منه المال مجرما وفق شريعته ونظامه أم مباحا، فإن كانت الأولى فلا يحل التعامل معه، وإن كان المصدر مباحا في عقيدته أو وفق نظامه فيباح التعامل معه.
قال الأنصاري: ولو قضى الذمي دين مسلم كان له عليه بثمن خمر أو نحوه حرم على المسلم قبوله إن علم أنه ثمن ذلك ; لأنه حرام في عقيدته وإلا لزمه القبول" [3] "
بينما ذهب المالكية إلى الكراهة، قال الخرشي:"يكره للمسلم أن يتسلف ثمن الخمر من الكافر أو يأكل منه طعاما اشتراه بثمن خمر أو يأخذ ثمن الخمر من هبة أو صدقة أو يبيعه به شيئا وأما ما أخذه من الذمي قضاء عن دين للمسلم عليه فإنه يباح له كما أباح الله الجزية منهم ولأن لهم في البيع مندوحة دون القضاء" [4]
وأباح الحنفية والحنابلة جواز التعامل مع غير المسلم الذي يتعامل بثمن الخمر والخنزير عملا بما روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في الأثر السابق
(1) - الأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه، وأبو عبيد في كتاب الأموال، انظر: الزيلعي، جمال الدين عبد الله بن يوسف - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - 4/ 549، أبو عبيد، القاسم بن سلام - 1/ 52 - دار الفكر للطباعة والنشر - مصر - ط 3 1981
(2) - أبو عبيد - مرجع سابق
(3) - الأنصاري، زكريا بن محمد بن زكريا - أسنى المطالب شرح روض الطالب - 4/ 219 - دار الكتاب الإسلامي
(4) - الخرشي، محمد بن عبد الله - شرح مختصر خليل - 3/ 7 - دار الفكر، ويراجع: السرخسي - مرجع سابق - 24/ 26، قليوبي - مرجع سابق - 3/ 257، البهوتي، منصور بن يونس - كشاف القناع عن متن الإقناع - 3/ 122 - دار الكتب العلمية، ابن قدامة - مرجع سابق - 9/ 280، ابن تيمية - الفتاوى الكبرى - 3/ 436