ويفيد رأي الشافعية المتقدم في عصرنا الحاضر فيما إذا أسلم شخص على مال محرم من كسب مجرم وفق كافة الأنظمة الوضعية كالاتجار بالمخدرات، والدعارة ونحوها فهذه المكاسب لا تحل له بعد إسلامه كما كانت عليه حرام قبل إسلامه.
ويتعلق بما تقدم مسألة أخرى وهي:
إذا أسلم شخص على مال حرام شرعا استحقه قبل إسلامه لكن لم يقبضه إلا بعد إسلامه، فهل يباح له في مثل هذه الحالة كسابقتها ويعتبر القبض امتدادا لعقد وقع صحيحا قبل الدخول في الإسلام لعدم سراية أحكام الإسلام عليه حال عقده، فيستمر هذا الأثر إلى ما بعد الدخول في الإسلام؟
للعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: ما استحق قبل الدخول في الإسلام وتأخر قبضه إلى ما بعد الدخول فيه يكون حلالا للمسلم وله أن يطالب به وأن يتملكه.
وقد نسب ابن رشد الجد هذا القول إلى أشهب ومعظم أصحاب الإمام مالك، وقول الإمامية.
قال ابن رشد"وقد اختلف أصحابنا إذا لم يقبض ثمن الخمر والخنازير وكان قد باع ذلك من نصراني حتى أسلم، هل يصح له قبضه بعد إسلامه أم لا؟ على قولين:"
أحدهما: لا يصح له قبضه قياسا على ما كان له من الربا لم يقبضه.
الثاني: أنه يجوز له قبضه بعد إسلامه، وهو قول أشهب، وهو مذهب أكثر أصحابنا." [1] "
وقال الحلي:"الذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا , ثم أسلم ولم يقبض الثمن , فله قبضه." [2]
القول الثاني: المال المستحق قبل الإسلام لا يجوز قبضه بعد الإسلام. وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وقول عند المالكية. [3]
وجه القول الأول:
أولا: قوله تعالى {فله ما سلف} فقد أخبرت الآية الكريمة أن الكفار إذا أسلموا أحرزوا بإسلامهم ما بأيديهم مما اكتسبوه من أموال الربا وغيره، ويدخل في ذلك ما قبضوه أو ما تأخر قبضه؛ فإن ذلك كله يندرج تحت قوله تعالى {ما سلف} ؛ لأنه امتداد لعقد سابق وليس ابتداء لعقد جديد.
وقد رد ذلك: بأن هذه الآية تنصرف إلى المال الحرام المقبوض قبل الدخول في الإسلام، أما ما لم يقبض فيعلم حكمه من سياق النص بدلالة مفهوم المخالفة وهو أن أخذه سيقع بعد نزول التحريم
(1) - ابن رشد الجد، محمد بن أحمد بن محمد - المقدمات الممهدات - 616 - مكتبة السعادة - القاهرة.
(2) - المحقق الحلي، جعفر بن الحسن الهذلي - شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام - 3/ 180 - مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.
(3) - الجصاص - مرجع سابق.