ـ عن عمرو بن ميمون قال: أخذ الوالي في زمن عبد الملك مال رجل من أهل الرقة يقال له أبو عائشة عشرين ألفا فأدخلت في بيت المال فلما ولي عمر بن عبد العزيز أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه فكتب إلى ميمون ادفعوا إليهم أموالهم وخذوا زكاة عامه هذا فلولا أنه كان مالا ضمارا أخذنا منه زكاة ما مضى.
ـ عن ميمون أن رجلا ذهب له مال في بعض المظالم ووقع في بيت المال فلما ولي عمر بن عبد العزيز رفع إليه فكتب عمر أن ادفعوا إليه وخذوا منه زكاة ما مضى ثم أتبعهم بعد بكتاب: أن ادفعوا إليه ثم خذوا منه زكاة ذلك العام فإنه كان مالا ضمارا.
ـ عن الحسن قال: عليه زكاة ذلك العام. [1]
والحق: أن القول بأن الملك لا يتوقف على تمكن المالك من التصرف في ماله ما دام الشرع يعطيه كامل الحق، ولا يصلح أن يكون العدوان سالبا لوصف شرعي مقرر.
إنما يؤثر تمام الملك في أداء الزكاة، حيث لا يلزم المالك أداء الزكاة إلا بعد عود ماله إليه، لكن لو أخرجها قبل عود ماله إليه فلا خلاف في صحتها، لكن هل يلزمه إخراج الزكاة عن سنة واحدة أم عما مضى من السنين؟ قولان.
وثمت مسألة أخرى متعلقة بهذه الحالة، وهي لو أن الحائز أخرج زكاة هذا المال، فهل تجزئ ولا يلزم المالك إخراجها؟
هذه المسألة مبنية على مدى اعتبار النية شرطا في صحة أداء الزكاة، فمن اعتبرها شرطا وهم الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ذهب إلى عدم صحة أداء حائز المال الحرام لها، ومن لم يعتبرها شرطا كالأوزاعي، وبعض المالكية صححوا أداء الحائز للزكاة.
وقد خالف بعض العلماء هذا الأصل ورأوا صحة أداء الحائز للزكاة تغليبا للمصلحة كما نقل ذلك عن أبي الخطاب وابن تيمية من الحنابلة.
قال ابن قدامة:"وذكر أبو الخطاب أن في تصرفات الغاصب الحكمية رواية , أنها تقع صحيحة , وسواء في ذلك العبادات , كالطهارة والصلاة والزكاة والحج , أو العقود كالبيع والإجارة والنكاح. وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما لم يبطله المالك , فأما ما اختار المالك إبطاله وأخذ المعقود عليه , فلم نعلم فيه خلافا , وأما ما لم يدركه المالك , فوجه التصحيح فيه أن الغاصب تطول مدته , وتكثر تصرفاته , ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير , وربما عاد الضرر على المالك , فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك , والعوض بنمائه وزيادته له , والحكم ببطلانه يمنع ذلك." [2]
(1) - ابن أبي شيبة - مرجع سابق - 3/ 92
(2) - ابن قدامة - مرجع سابق - 5/ 159، ويراجع: ابن تيمية - مجموع الفتاوى - 30/ 322