2 -عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال: (اتقي الله واصبري) ، قالت: إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك؛ فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) [1] .
ففي هذا الحديث أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفِّ عن هذا الخطأ، وهو البكاء الشديد، أو النياحة، كما قال القرطبي: «الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نَوْحٍ أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى» [2] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ويؤيّده - أي كلام القرطبي - أنه في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور (فسمع منها ما يكره فوقف عليها) » [3] .
وقال النووي رحمه الله في شرح الحديث: «فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع كل أحد» [4] .
إذن قد صدر الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المرأة بترك هذا الخطأ والتقوى والصبر على ما أصابها، وكل ذلك بحكمة، ورفق، وتواضع منه - صلى الله عليه وسلم -.
قال الحافظ بن حجر رحمه الله: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التواضع، والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن من أُمر بمعروف ينبغي له أن يقبل، ولو لم يعرف الآمر، وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونًا بالصبر» [5] .
(1) أخرجه البخاري كتاب الجنائز، باب: زيارة القبور حديث رقم (1283) ، ومسلم كتاب الجنائز: باب: الصبر عند الصدمة الأولى، حديث رقم (926) .
(2) فتح الباري: 3/ 178.
(3) المصدر السابق.
(4) شرح صحيح مسلم النووي: 2/ 526.
(5) فتح الباري: 3/ 179.