وأسلوب الهجر أسلوب تأثير بيِّن، وواضح في نفس المخطئ، وخصوصًا إذا أحدث المخطئ خطأً عظيمًا، وارتكب ذنبًا جسيمًا، وذلك لِمَا للهجر من أثر على نفسه، حيث يسبب له هذا الهجر ابتعادًا عن الناس، فلا يجالسونه، ولا يبتاعون منه ولا يشترون، بل وقد يحذِّرون منه، فتزداد عزلته عنهم، ولذا فلا بد من هذا الهجر، لأن من الناس من لا ينفع معه إلا هذا الأسلوب، وبالتالي فلا يُصار إليه إلا بعد أن يظهر خطؤه، وتبين له زلته، ويوعظ بالموعظة الحسنة، فإذا لم يُجْدِ ذلك، ووجد المصحِّح أن الهجر هو علاجه فيُصار إليه.
والهجر الشرعي نوعان، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [1] ، فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة.
الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها [2] .
والأصل في الهجر أنه لا يجوز ولا يُصار إليه، وذلك لقوله عليه الصلاة السلام: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا، و يعرض هذا، وخيرهما من يبدأ بالسلام) [3] .
«قال العلماء: في هذا الحديث. تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال، وإباحتها في الثلاث الأُول بنصّ الحديث، والثاني بمفهومه.
(1) سورة الأنعام. آية رقم (68) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى: 28/ 203.
(3) أخرجه البخاري كتاب الأدب، باب: الهجرة وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث) حديث رقم (6077) ، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي، حديث رقم (2560) .