إن من أهم وسائل تصحيح الأخطاء التصحيح باليد، بل هو أعلاها. إذ إن من الأخطاء ما يكون منكرًا، وإذا كان كذلك، فإن التّغيير، باليد هو أقوى مراتب التغيير، وأعلاها، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [1] .
وقد تكلّم العلماء على هذا الحديث ببيان درجات التغيير الواردة فيه، وأسهبوا كثيرًا في ذلك، ومن ذلك ما نقله النووي رحمه الله عن القاضي عياض رحمه الله قوله: «هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغيِّر أن يغيّره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان، أو فعلًا؛ فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله ... فإن غلب على ظنّه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشدَّ منه، من قتله، أو قتل غيره بسبب كفِّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غيَّر بقلبه وكان في سعة» [2] .
وقال أحمد رحمه الله: «هو باليد مع القدرة، وباللّسان عند عدم المكنة وبالقلب عند خوف الفتنة» [3] .
وهذه الحال - التّصحيح باليد - هو ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ويحثّ عليه صحابته، كما ورد عنه أنه لم يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه [4] .
وأيضًا لما رأى عائشة رضي الله عنها قد اتّخذت على سهوة لها سترًا من تماثيل هتكه عليه الصلاة والسلام، فاتخذت منه نمرقتين [5] ، وكذلك صنيعه - عليه الصلاة والسلام - لما دخل مكة عام الفتح، وكان حولها ثلاثمائةٍ، وستون صنمًا فجعل يُزيلها بيده، ويطعنها يقول: (جاء الحق
(1) أخرجه مسلم كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان ... حديث رقم (49) .
(2) شرح صحيح مسلم للنووي: 1/ 219.
(3) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. خالد السبت ص 361.
(4) رواه البخاري كتاب اللباس، باب نقض الصور، حديث رقم (5952) .
(5) رواه البخاري كتاب المظالم، باب هل تكسر الدّنان التي فيها خمر أو تخرق الزقاق حديث رقم (2479) .