في القول، حيث ظنوا بقولهم أن الدرجات العالية توجب التقصير، فيقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: لسنا كهيئتك، فيغضب - عليه الصلاة والسلام - من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل، بل يوجب الازدياد شكرًا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الآخر: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) [1] .
وقال ابن حجر رحمه الله في فوائد الحديث: «مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي، والإنكار على الحاذق المتأهِّل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم، تحريضًا له على التيقّظ» [2] .
3 -عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كرهها، فلما أُكثر عليه غضب، ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم) قال رجلٌ: من أبي؟ قال: (أبوك حذافة) فقام آخر، فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: (أبوك سالم مولى شيبة) ، فلما رأى عمر ما في وجهه، قال: (يا رسول الله إنّا نتوب إلى الله عز وجل) [3] .
والسائل الأول هو عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، كما جاء ذلك في بعض الروايات.
فهذا الحديث - كذلك - بيّن الغضب على الجماعة إذا أخطأوا، والغرض منه التصحيح للفعل الخاطئ. وهذا الحديث، والقصة التي فيه عن أولئك الذين ألحُّوا بالسؤال على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي سبب نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [4] ، كما قال ذلك ابن حجر رحمه الله [5] .
«ومجرد غضبه - صلى الله عليه وسلم - من الشيء دالٌّ على تحريمه أو كراهيته» [6] ، ولذلك غضب على هؤلاء القوم واشتد غضبه حتى قال عليه الصلاة
(1) انظر: فتح الباري: 1/ 90.
(2) المصدر السابق.
(3) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها، كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال حديث رقم (540) ومنها كذلك (الحديث أعلاه) كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره حديث رقم (92) ، ومسلم كتاب الفضائل، باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - وترك إكثار سؤاله ... حديث رقم (2360) .
(4) سورة المائدة آية رقم (101) .
(5) فتح الباري: 13/ 284.
(6) المصدر السابق: 1/ 226.